الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

الثلاثاء 25 يوليو/تموز 2017، العدد: 10702

نديم كرم يرسم لهيب الأفكار الشائكة للبنان الجريح

  • تقدم صالة “أيام” البيروتية أعمالا للفنان التشكيلي والمهندس المعماري اللبناني نديم كرم تحت عنوان “خواطر مطّاطية”، حيث يراد بهذا العنوان تسهيل دخول المشاهد إلى عالم نديم كرم، إذ يظهر الفرد الإنساني في لوحات وفي مجسمات نحتية كشكل بدائي مبسط، وهو عرضة لشتى أنواع الأفكار والخواطر الوافدة إليه أو النابعة منه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/02/04، العدد: 10175، ص(16)]

أثار فنية تدوي بالأسئلة

بيروت- يظهر شخص الفنان اللبناني نديم كريم في معرضه الأخير المعنون بـ“خواطر مطاطية”، والذي تقدمه صالة “أيام” البيروتية في وضعيات جلوس أو وقوف مختلفة، ولكنها تبقى كلها مرتعا لحقل من الأفكار المتداخلة التي تتشابك بغزارة لتخرج أو تبقى في رأسه الصغير، ريثما تجد لذاتها مخرجا أو سبيلا إلى التحقق، رأس صغير مقارنة بحجم الأفكار التي جسدها الفنان بخطوط مرسومة أو في أسلاك معدنية أو فولاذية تمتد على مساحة اللوحة أو في الفضاء المحيط بالمنحوتة.

يعتبر القيّمون على الصالة أن المعرض ككل متجانس يعرض كيفية عمل العقل البشري اللامحدود مقارنة بالجسد المحدود وحضوره المادي الذي يتأثر بشكل كبير بكل أنواع الأحداث السياسية، والاجتماعية والاقتصادية.

لا ينكر الفنان ذلك، وهو الذي أكد في أكثر من مناسبة أنه مهما كانت الظروف المحيطة بالإنسان صعبة، فعليه أن يعتمد على قوة أفكاره كي لا يقع ضحيتها، الحقيقة أن الفنان لم يقف يوما عند حدود التنظير الرث، بل مارس في حياته وفي فنه التشكيلي وفي عمله النحتي المعماري ما عبر عنه في الكلمات.

فجاءت أعماله كلها من وحي هذا الأمل والإيمان بقدرة الخيال والعقل على كسر القيود والسير قدما، لذلك لقّب الفنان بـ”طائر الفينيق” الخارج من رماد المدينة، والمطل على إعادة إعمارها، بعد انتهاء الحرب اللبنانية التي دامت 15 سنة.

عالم آخر

كل من كان في بيروت في أواخر التسعينات لا بدّ أنه رأى مجموعة نديم كرم النحتية التي عرضها في قلب بيروت وسط الخراب، قبيل وخلال فترة إعادة الإعمار. كان وجودها يبعث على الفرح وفي ذات الوقت يبعث على التساؤل.

ربما أكثر ما طرحته حينها هذه المنحوتات هي هذه الفكرة التي يتوالد منها كمّ هائل من الأفكار الحماسية “خارج عالمنا الخانق والمرصوف بالخوف والموت والدمار، هناك عالم آخر”.

الفنان لم يقف يوما عند حدود التنظير الرث، بل مارس في حياته وفي فنه التشكيلي وفي نحته ما عبر عنه بالكلمات

وقد تكون هذه الفكرة هي التي حركت وخصّبت مخيّلة الفنان، وجعلته ينجرف في عالمه الشعري والفني متوسّلا أساسيات العمل الهندسي والمعماري المبنيّ على الحسابات الدقيقة والمعادلات الهندسية والرياضية، إضافة إلى الفن التشكيلي الذي مارسه بكل شغف. يومها أطلق الفنان على هذه المجموعة من المنحوتات عنوان “المسيرة البدائية”؛ لا غرابة في ذلك، فيومها كان لبنان مشرفا على بداية جديدة.

من الهام جدا تسليط الضوء على فكرة “هناك عالم آخر” في كل أعمال الفنان، وليست هي فقط التي طرحها مؤخرا في صالة “أيام”؛ إذ أن من عاش الحرب يعرف تماما الروعة التي تكمن في إمكانية التفكير أو الحلم بما هو أبعد من اللحظة الآنية، أي بما هو أبعد من اليوم. وهذه ملكة لا يتميز بها إلاّ الإنسان، في حين أن الحيوانات لا تملك إلاّ حاضرها.

بائع الحلم

بائع الحلم، نديم كرم، لم يزل في أعماله يؤمن بقدرة الإنسان على أن يحلم بالخروج من الأزمات، وإن كان الكثير من اللبنانيين يتساءلون الآن في قرارة أنفسهم “أيّ سلم هذا الذي أصبحنا فيه؟”.

تظل الفردية والطاقة التي تحمي الإنسان من الانكسار في خضم الظلمات حلم المهندس نديم كرم، وإن بدت أعماله المعروضة تشي بشيء آخر غير القدرة على الحلم واستنباط الأفكار لاجتراح المعجزات، حيث تبدو شبكة الأفكار التي تشتعل بها معظم رؤوس منحوتاته ورسوماته أشبه بـ”شلة خيوط” ضاغطة تشابكت أوصالها، وهي لا بدّ أن تقلق حاملها وأن تؤرق ليله. ربما هكذا يكون الحال عندما تتسمم الأفكار في ما بينها لأنها لم تجد مكانا تتجسد فيه، تماما كما يموت الجنين في رحم لم يستطع رعاية أحلام ساكنه.

في المعــرض هناك أجمل لوحة للفنان، وهي تحمــل عنوان “براعم الأفكار”، يبدو فيها إنسان صغير في وضعية تشبه جنينا يتوسط فراغا ذهبيا، وتشبه أيضا وضعية “المفكر” في منحوتته الشهيرة للفنان أوغوست رودان.

رأس الجنين/ المفكر عبارة عن “شلّة من الخيوط” يخرج منها خطوطا متعرجة، تنتهي بشلل أخرى أكثر تعقيدا، أراد بها الفنان أن يعبر عن براعم الأفكار وهي قيد التشكيل.

نديم كرم يلقب بـ"طائر الفينيق" الخارج من رماد مدينة بيروت، والمطل على إعادة إعمارها

قد يجد زائر المعرض في ذهبية المساحة التي تحتضن هذا الكائن، وهي مساحة مطعّمة بخضرة نضرة، انتصارا للحلم على كل شيء. ولا سيما أن الفنان كتب على أحد جدران الصالة هذه العبارات “في بالي إمكانات لا حدود لها.. هي مساحة مثل السحاب، بوسع السماء”.

ومع ذلك تدوّي تلك اللوحة بالذات بالأسئلة وتلقي في النفس الكثير من الحنين إلى زمن بدت خلاله الحرب اللبنانية في نهايتها، ولكنها لم تنته بالفعل، حنين إلى زمن كان فيه الفرح سيّد الساحة وبداية جديدة لتحقق الأحلام.

ربما ترتبط هذه اللوحة أكثر من غيرها بما وضعه الفنان في وسط الصالة، عمله الذي أطلق عليه عنوان “الأفكار المهملة”، وهو عبارة عن خردة من حديد تدلّت في الفراغ. إنها مخلفات بناء ما، تركت جانبا فحلّ بها الصدأ، ليحملها الفنان إلى قلب معرضه، مضيفا إليها بعض مفرداته التشكيلية.

يوضح أحد القيّمين على هذا المعرض أن هذه الخردة تشير إلى “مصير الأفكار المهملة.. عند إهمالها تبقى الأفكار عالقة في الزمن، فيطرح المعرض سؤالا حول الخيارات البديلة المتاحة لنا: في حال إهمال أفكارنا، كيف لنا أن نطوّرها؟ ربما يجدر أن يوجّه هذا السؤال إلى المتقوقع في فضائه الذهبي، هذا الذي شلّ حركته طغيان الواقع المرعب على الأحلام الأكثر إلحاحا”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر