الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

احتضن الغامض القادم منك وإليك

الفن المنتمي إلى المرحلة الحداثية، أي تلك الممتدة من سنة 1930 حتى سنة 1970 يستحيل تقييمها وفقا لذات المعايير، وهي في مجملها بريئة من كل ما تتهم به من سهولة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/02/04، العدد: 10175، ص(16)]

منذ أيام قرأت على “الفيسبوك” تعليقا ساخرا على لوحة للفنان مارك روتكو؛ مفاد التعليق هو احتقار لعمله الذي يتألف للوهلة الأولى من مستطيلين ملونين بالأزرق والأصفر، تعليق جاء بعدما بيعت اللوحة بـ46.5 مليون دولار أميركي.

ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تستحضر هكذا أعمال فنية حديثة إما سيلا من التساؤلات حول قيمتها الفنية أو سلسلة من الشتائم، وهذه ظاهرة مازالت حاضرة وخاصة في العالم العربي، بالرغم من دخولنا عصر الفن المعاصر الذي يبدو -مقارنة بالفن الحديث- أرضا أكثر خصوبة لشتى الانتقادات وأقساها، ولا سيما أن الكثير منها يراد به بيع الفضائحية أو العبقرية المزيفة التي وحده الزمن قادر على إقصائها.

ومع ذلك فالفن المنتمي إلى المرحلة الحداثية، أي تلك الممتدة من سنة 1930 حتى سنة 1970 يستحيل تقييمها وفقا لذات المعايير، وهي في مجملها بريئة من كل ما تتهم به من سهولة، وبلاهة وغيرها من الأوصاف.

يستحيل النظر إلى أعمال الفنان روتكو بمعزل عن تاريخه الفني والشخصي وبمعزل عن زمنه المشبع بالأزمات، فالفنان انتقل خلال ما لا يقل عن أربعين سنة من التشكيل إلى الترميز ورسم المشاهد، حتى بلغ تجريديته الغنائية- التعبيرية-الصوفية- الحسية بعد سلسلة من الاختبارات والقراءات الفلسفية والعلمية والشعرية.

إذا كان من الممكن النظر إلى التحف التي صنعها عمالقة الفن، كرامبرندت ومايكل أنجلو وغيرهما، بمعزل عمّا يحيط بهم، فذلك يصبح من سابع المستحيلات عندما يكون الأمر متعلقا بعمل لروتكو، وخاصة إذا انتمى إلى المرحلة المتقدمة من حياته الفنية، حيث مستطيلاته وألوانه “الجمّة”.

ثمة حالات تراكم وتأثرات وبحث وجوديّ رفدت صياغة هذه “الاختصارية” في الأشكال وبسط الألوان على قماشة لوحاته، معها أصبح اللون منفذا إلى خارج الزمن والمكان، ومرفأ لحلول الأفكار الدرامية دون السقوط تحت رحمتها.

هل هو دفاع عن فن مارك روتكو؟ ربما، لأنه كيميائي المستطيلات الملونة، وكل ما يمثله من بلاغة في التعبير، وربما لأنني من أشدّ المعجبين بفنه، ولقناعتي أن الكثير من الأعمال الفنية “الرقيعة”، إذا جاز التعبير، عربية كانت أم غربية، التي قلّد فيها وبرداءة بعض الفنانين اللوحات الأصلية ونسبوها لذاتهم، ساهمت بتعميم فكرة سهولة خربشات الأطفال، وكيف لا، وقد جاءت تلك الأعمال المقلدة للأصل تافهة لأنها إضافة إلى رداءتها هي من دون الحيثية التي أحاطت بالعمل الأصلي؟

منذ سنوات ذهبت إلى متحف “موما” في نيويورك، هناك شاهدت أعمالا لروتكو التي لم أنس أثرها في نفسي وأودّ لو أراها ثانية، لقد وقفت أمامها طويلا، خاصة تلك المتميزة بحمرة مهيبة، وتلك التي كان بطلاها: الزرقة والصفرة. شعرت بتوتر المستطيلات وتقدّم ألوانها المسطحة نحوي تارة، وابتعادها تارة أخرى، مغناطيسية سحرية لا يمكنك إلاّ أن تتساءل ما الذي يربض خلفها، أي وحش أو أيّ خلاص مجنح.

ربما الذي دفع كاتب التعليق، وهو صديق مبدع استمتع بقراءة تعليقاته الفيسبوكية، لم ير أي عمل للفنان إلا من خلال صور على صفحات الإنترنت. لا يمكن إنصاف روتكو إلا عبر الوقوف أمام أعماله جسديا.

بلغ الفنان أوج تعبيريته التجريدية في آخر مجموعة فنية له تمناها أن تكون “آخر هديته لهذا العالم”، مجموعة رسمها خصيصا لتؤثث ما يشبه كنيسة سميت بـ”كنيسة روتكو”، حيث اللون الأسود في أكثر من 15 لوحة، لوحات ليست إلاّ بوابات خروج من محدودية هذه الدنيا.

لم يتسن لروتكو رؤية هذه الأعمال معلقة على جدران الكنيسة، إذ توفي سنة 1970، أي قبل عام من الافتتاح. هي أعمال اشتغل عليها لمدة 8 سنوات، وساهم في تصميم الصرح المشيّد خصيصا لها، والذي أراده أن يكون جامعا لكل تأمّلات البشر على اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم.

ليلة الافتتاح قالت دومينيك دو مينيل مموّلة بناء هذا الصرح والمقتنية لأعمال فنية كثيرة “نحن محاطون بكم هائل من الصور، ولكن فقط التجريد هو القادر على محاذاة كل ما هو مقدس”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر