الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

إيران.. رجل بقلبين في جوفه

النظام الإيراني بنى أيديولوجيته الحالية على نقد الآخرين وتعليق جميع الأزمات التي تشتعل على العامل الخارجي، بما في ذلك الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وهو يعرف اليوم أن رفع العقوبات يعني رفع المبررات.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/02/06، العدد: 10177، ص(9)]

تشكل انتخابات مجلس الشورى الإيراني، التي تجرى كل أربع سنوات، محكا لقياس مدى التحول الحاصل في المزاج السياسي والثقافي للمجتمع والنخبة السياسية؛ ولأن إيران ما تزال تنظر إلى محيطها الدولي والإقليمي أكثر مما تنظر إلى الوضع الداخلي، فإن هذا يجعل من أي انتخابات في البلاد رهانا دوليا وإقليميا للقيادة العليا في الدولة، ولذلك فإن ثبات أو تغير المزاج السياسي يحمل رسالة إيران إلى محيطها.

يعتمد هذا التحليل على فكرة مفادها أن إيران، بعد قرابة أربعة عقود على ثورتها في نهاية السبعينات، تعتبر نفسها نظاما غير طبيعي وسط محيط غير موات. لقد صُنعت الثورة الإيرانية، التي أشعلها رجال الحوزة وعلى رأسهم الخميني، على مزيج من المشاعر المركبة، خلافا لكل الثورات الأخرى إذا نحينا بعض الاستثناءات في أوروبا؛ ذلك أنها نشأت على خدمة القومية الفارسية في وجه المحيط العربي المباشر من جهة، وعلى رفع لواء الدين في وجه المجتمع الغربي من جهة ثانية، فسارت طيلة العقود الماضية على قدمين، وأنتجت طوال هذا التاريخ أيديولوجيا انعزالية وصدامية ترى أن التعايش استثناء في العلاقات الإقليمية والدولية.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، المقررة في نهاية الشهر الجاري، ترسل إيران برقيات متعددة إلى العالم وفيها حرف وكلمتان: من الصعب التفاهم. فبالرغم من أن النظام الحاكم في البلاد وقع اتفاقا نوويا مع الغرب وأميركا، وتم الإعلان عن رفع العقوبات المفروضة على البلاد منذ قيام الثورة، ويجري تسويق هذين الأمرين داخل البلاد بوصفهما انتصارين، إلا أن المزاج السياسي الداخلي لا يزال يتحرك وفق ما كان عليه خلال العقود الماضية، بحيث إن الجناح المتشدد في الدولة لا يزال يحكم قبضته الحديدية ويمنع حصول أي تحول في هذا المزاج؛ وهذا معناه أن هذا الجناح يريد أن يأخذ من المجتمع الدولي دون أن يعطي.

فقد لجأ “مجلس صيانة الدستور”، الهيئة التي يوكل إليها الدستور الإيراني مهاما محددة مثل الموافقة علی المرشحين لرئاسة الجمهورية ومجلس الخبراء ومجلس الشورى، إلى نفس الآلية التي يستخدمها من أجل قطع الطريق على التيار الإصلاحي والحيلولة دون أن تتقوى شوكته في المشهد السياسي الإيراني. فالمجلس يعد في الواقع مؤسسة للحفاظ على الفرز الأيديولوجي التقليدي في البلاد، ولجم حالة التقاطب بين الإصلاحيين والمتشددين، وهو بهذا الاعتبار يؤدي مهمة توجيه الناخب الإيراني، عن طريق التصرف في قائمة المرشحين الذين يتم فرضهم على القاعدة الانتخابية في البلاد، والحد من الإمكانيات المتاحة للتغيير السياسي.

فمن بين حوالي إثني عشر ألف ترشيح، لم يتم التصديق سوى على ما يقارب الخمسة آلاف من الطلبات المقدمة إلى المجلس، أي بنسبة أربعين بالمئة فقط، فيما لم يحصل التيار الإصلاحي سوى على ثلاثين ترشيحا رسميا من أصل ثلاثة آلاف، أي بنسبة واحد بالمئة؛ وهذا رقم في حد ذاته يعطي صورة عن توازن القوة بين التيارين، وعن المزاج العام الذي يريد التيار المتشدد الحفاظ عليه في المشهد السياسي الإيراني.

ينظر الكثيرون إلى الانتخابات المقبلة في إيران على أنها محطة سياسية هامة وفاصلة، ويتقاسم هذا الرأي العديد من المحللين والمتابعين الغربيين للشأن الإيراني، لسبب رئيسي، هو أن إيران أنهت حالة الخلاف التي كانت سائدة بينها وبين العالم الغربي والولايات المتحدة الأميركية بوجه خاص. ويترقب الكثيرون أن تكون هذه الانتخابات تأكيدا لهذا التوجه أو انقلابا عليه، كما يعتبرونها جولة حاسمة للحكم على الاتجاه الذي سيأخذه مزاج الدولة الإيرانية. بيد أن انتخابات نهاية الشهر الحالي لا تتوقف رهاناتها على الموقف الإيراني من الغرب، بل هي ستمكن أيضا من التعرف بشكل جدي على المزاج السياسي تجاه المنطقة العربية، خصوصا في ظل التوترات الموجودة اليوم على خلفية الملفات الساخنة المفتوحة بين العرب وإيران؛ فالرهان على الانفتاح الإيراني في جانب واحد لا يعد مؤشرا على التبدل في هوية النظام السياسي وعلاقاته في محيطه الإقليمي.

مصدر هذا الارتباك في إيران، على أبواب الانتخابات، أن البلاد دخلت في السنوات القليلة الماضية، وتحديدا منذ ما سمي بالربيع العربي، في حالة من التحدي الإقليمي المعاكس للسياسة التي نهجتها تجاه العالم الغربي. ففي الوقت الذي فتحت فيه نافذة على الغرب، سعت إلى الدخول في حقبة من المواجهات مع محيطها العربي، مما يعطي الانطباع بأن القيادة الإيرانية ترى في الانفتاح على الغرب رافعة من روافع طموحاتها الإقليمية.

تكمن الصعوبة في قبول فكرة حصول تحول في المزاج الإيراني، بعد الاتفاق النووي ورفع العقوبات، في أن ثقافة الصراع والنزعة الانعزالية ضاربة الجذور في الوعي السياسي لدى النخبة وشرائح واسعة من المجتمع الإيراني، الذي تغذى طيلة عقود على ما تقدمه النخب السياسية والفكرية من تقليعات باتت اليوم جزءا من الوعي الجماعي الإيراني. فخلال أربعة عقود تدرب المواطن الإيراني على الجلوس كل أسبوع أمام خطيب الجمعة الذي يمطره بوابل من السباب والقذف ضد “الشيطان الأكبر” و”خصوم أهل البيت”، ويزرع في دماغه مفاهيم تكرست صلابتها مع مر السنين. وفي شهر نوفمبر من كل عام يسير المواطن الإيراني في طابور طويل رافعا شعارات ضد أميركا والغرب تخليدا لذكرى حادث اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979، ولديه من المنابر والقنوات ما يجعله ينام كل ليلة على أمل الاستيقاظ على الانتصار الفارسي على صف من الأعداء.

وقد أدى هذا التحشيد الثقافي والمذهبي والإعلامي إلى أن أصبحت إيران بمثابة رجل بقلبين في جوفه، بظهور تيارين يتبادلان الضرب تحت الحزام في المحطات السياسية، وفي بعض الأحيان يتبادلان الركل في الشارع العام، كما حصل عام 2009 بعد إعادة انتخاب علي أحمدي نجاد. ويعكس تداول السلطة في إيران الشيعية حالة الازدواجية وسط النخب السياسية والفكرية وفي أوساط الرأي العام الإيراني؛ فالناخب الذي أوصل محمد خاتمي إلى السلطة في نهاية التسعينات، الذي حاول تعبيد الطريق للمصالحات العربية – الإيرانية، هو نفسه الذي حمل نجاد إلى الحكم، الذي كان واحدا من الصقور الذين بنوا سياستهم على الرفض ورفع اللاءات في وجه الجميع، وهو نفسه الذي عاد ليصوت على حسن روحاني، الذي يبحث اليوم عن مصالحة مع أميركا، ويريد إغلاق النوافذ المفتوحة على العالم العربي.

وتدرك القيادة الإيرانية، ومعها طبقة البازار المتنفذة، أن رفع العقوبات الغربية عن البلاد لا يعني سوى تحويل الأعباء السياسية نحو الداخل، وفتح الباب أمام نوع مختلف من الأزمات. فقد بنى النظام الإيراني أيديولوجيته الحالية على نقد الآخرين وتعليق جميع الأزمات التي تشتعل على العامل الخارجي، بما في ذلك الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وهو يعرف اليوم أن رفع العقوبات يعني رفع المبررات، بحيث لن يصبح ممكنا إقناع الرأي العام الإيراني بأي مبرر من المبررات السابقة، وهو الأمر الذي سيجعل النظام السياسي في مواجهة مباشرة مع الشارع الإيراني، ويمس بمصالح أولئك الذين كانوا يحجبون سياستهم ونمط اقتصادهم خلف العامل الخارجي. وفي ضوء هذا التحليل يمكننا فهم زحف التيار المتشدد قبيل موعد الانتخابات، فهو يريد بعث رسالة مزدوجة من خلالها، الأولى إلى الغرب، والثانية إلى المحيط العربي، ومن وراء ذلك الإبقاء على الشارع الإيراني تحت سلطة التحكم.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر