الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

لا حل أميركيا قريبا في العراق

ما نسمعه من تسريبات تتناول مشاريع وتوجهات أميركية لتغيير جذري في العراق، مازالت عند حدود الكلام، وهي أقرب إلى نشاطات العلاقات العامة منها إلى البرنامج العملي القريب.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/02/09، العدد: 10180، ص(9)]

تجري خلال هذه الأيام تسريبات صحافية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، مفادها أن هناك تحركات عسكرية أميركية داخل العاصمة العراقية، غايتها إحكام السيطرة الأمنية ومنع محاولات الاختراق التي قد تستهدف مقر أكبر سفارة أميركية في العالم من قبل داعش أو الحرس الثوري الايراني، وتضيف تلك التسريبات بالقول إن القوات الأميركية تحاول تشديد السيطرة على القادة السياسيين الشيعة داخل المنطقة الخضراء. دلالة هذه التسريبات تشير إلى ما وصل إليه الوضع العراقي من احتقان سياسي وأمني، وتفكك وانهيار سيطرة متعاطي السياسة وماسكي السلطة في بغداد رغم التعبئة الإعلامية للميليشيات المسلحة، ويرتبط كل ذلك بالوضع المتوتر الذي يسود محيط العراق، مما يشير إلى حصول تحولات في بنية الأوضاع الجيوسياسية لبلدين مهمين هما العراق وسوريا.

لقد خضع العراق منذ عام 2003 لوضع سياسي وأمني شاذ بسبب الاحتلال العسكري الذي انتهى شكليا عام 2011، في حين دخلت سوريا بذات العام حربا دموية متواصلة نتيجة ثورة الشعب ضد الاستبداد والدكتاتورية، في مفارقة تقول إن الأميركان حين اجتاحوا العراق عسكريا واحتلوه وأسقطوا نظامه السياسي برروا ذلك من أجل إسعاد شعب العراق بعد إنهاء الدكتاتورية والاستبداد وحكم حزب البعث، في حين أصبحت حماية نظام دمشق (الاستبدادي البعثي) ضرورة أمنية واستراتيجية.

ورغم اعتراف الأميركان بأن سياستهم في إنشاء النظام الطائفي في العراق كانت غير حكيمة، بل وصل الأمر بباراك أوباما إلى حد اعترافه بأن إزاحة صدام عن الحكم كان خطأ استراتيجيا لكنهم، وهم القادرون، لم يصححوا تلك الأخطاء الكبيرة، ولعل أكبر حدث شكل دليلا صارخا على ما وصل إليه نظام الحكم في عهد نوري المالكي هو اجتياح تنظيم داعش عام 2014 واحتلاله لثلث أراضي العراق بعد ثلاث سنوات من انسحاب القوات الأميركية وفق قرار أوباما القاضي بالابتعاد عن المناطق الملتهبة وعدم الاندماج الميداني فيها، وتركها لتداعيات الحروب والنزاعات العرقية والطائفية. مما دفع الأميركان للقيام بعملية استئصال فردي وجزئي لرئاسة الحكم الشيعي بطريقة “الإزاحة والإحلال” حين جاؤوا بحيدر العبادي وفق رؤية ملزمة له تقود إلى تخفيف الاحتقان والتوتر الطائفي الذي استهدف العرب السنة في عهد المالكي وأدى إلى كوارث سياسية وإنسانية كبيرة، مع أن الأميركان عارفون بأن العبادي هو من حزب المالكي، لكنهم توقعوا ومعهم الكثير من المراقبين بأن السلطة قد تدفعه إلى إجراءات جدية تؤهله لكي يصبح زعيما وطنيا لكل العراقيين، وبذلك يسجل سابقة للحكم الإسلامي الشيعي في المنطقة.

لكن رغم مرور سنة ونصف السنة على حكمه لم يحصل ذلك التغيير المنشود، بسبب هيمنة النفوذ الحزبي الشيعي ومافيات الفساد، والعبادي يعيش حاليا أزمات داخلية مع رفاق دربه وشركاء مذهبه، ولم يتمكن من اتخاذ خطوات جريئة رغم التشجيع الشعبي والمرجعي الشيعي لمحاربة إمبراطورية الفساد، ولم يحاسب ناهبي المال، وظل مفتونا بخطاباته الناعمة البعيدة عن المعالجات الجدية، ولم يكترث الأميركان بهذا الانهيار الذي وصل إليه العراق الذي لا يحتاج سوى إلى بيان رسمي لهذه النهاية الحتمية. وهم مهتمون، حسب تصريحاتهم، بالقضاء على داعش، ويدعمون حكومة العبادي في هذا الغرض. ورغم أنهم اليوم يعرفون جيدا ماذا يحدث في الأروقة الداخلية للأحزاب الطائفية الحاكمة، ولم يعودوا بحاجة إلى أحمد جلبي جديد حين كانت معلوماتهم حول العراق سياحية. فقد أصبحت لديهم مراكز استخبارية قادرة على المتابعة والرصد من مركز سفارتهم أو مراكز التجسس المنتشرة من شمال العراق إلى جنوبه، إضافة إلى مصادر المعلومات البشرية من قبل متعاطي السياسة الشيعة والسنة، من قادة وصغار وتابعين، فالجميع مُخبرون “مزدوجو الولاء أو أحاديوه” متبرعون بالمعلومات الصغيرة والكبيرة، بعد أن غابت جميع الحصانات الوطنية والأخلاقية، لقاء السلطة والمال والجاه، وهي بضاعة يقدمها الأميركان طالما أنها ليست من جيبهم وإنما من ضلع شعب العراق وآلامه. أما قصة ازدياد نفوذ إيران في العراق، والتي تشكل أكثر وجوه المشكلة تعقيدا، فالأميركان راضون عليها.

الإيرانيون لا يخفون ذلك. بتاريخ 5 فبراير 2016 استغرب علي أكبر صالحي رئيس لجنة الطاقة الإيراني في لقاء تلفزيوني من استنكار النفوذ الإيراني في العراق، وأن المعارضين العراقيين كانوا يعيشون في إيران وبعد أن جاءت الولايات المتحدة واقتلعت صدام حسين جاء هؤلاء إلى الحكم، وتساءل صالحي “هل نخاصم الحكومة العراقية التي كانت معارضة لإيران ونقول لها لا تسمحي بأن يكون لنا نفوذ؟”.

وإذا كان الأميركان يتحججون بمشكلة وجود داعش في العراق تمنعهم من الحل السياسي، فإن وظيفة هذا التنظيم سواء أكانت بندقية مستأجرة، أو كيانا مرموقا لتخريب كل من العراق وسوريا أولا ثم المنطقة، فاحتلاله لهذه المساحة الواسعة يشير إلى تبلور نظام إقليمي جديد بديل لسايكس بيكو. وإلا فلماذا لا يكون هذا الاجتياح دافعا للأميركان لإعادة النظر بسياستهم في العراق التي أنتجت إلى جانب النفوذ الإيراني تغّول داعش في المنطقة، ولو كانوا جديين في القضاء على هذا التنظيم، ولو لم يكن له دور ميداني مفصلي يخدم مصالح النفوذ، لباشروا الحل السياسي الجذري للعراق، وبذلك ينحسر ويتلاشى وجود داعش.

إن إدارة أوباما لم تزل غير جادة بمثل هذا الحل، وأوباما معجب بالفتح الاستراتيجي الذي أنجزه في الاتفاق النووي لإعادة إيران إلى مكانتها السابقة عند البيت الأبيض الأميركي رغم النظام الأديولوجي القائم في طهران، ولا يهمه مصير العراق المتدهور وصعود نفوذ إيران. وقد نفى أوباما وجود أي قوة في أمن الخليج غير إيران. أي أن الأمن الإقليمي يقوم على “مسؤولية ثلاثية أميركية إسرائيلية إيرانية”، بحسب قوله، وبذلك أخرج السعودية من اللعبة. ولذلك وقفت إدارة أوباما ضد وجود حلف عربي أو تأسيس قوة عربية عسكرية مشتركة من مصر ودول مجلس التعاون الخليجي. وما نسمعه من تسريبات تتناول مشاريع وتوجهات أميركية لتغيير جذري في العراق، مازالت عند حدود الكلام، وهي أقرب إلى نشاطات العلاقات العامة منها إلى البرنامج العملي القريب، ولعلهم يصرحون أو يهمسون، بأن المشكلة التي يواجهونها في العراق هي غياب البدائل السياسية للديناصورات الطائفية الحالية التي رهنت نفسها لسرقة مال الشعب العراقي كله وخصوصا من العرب السنة.

وهذه حجج غير مقنعة، فلو فتحوا عيونهم الخالية من الأغراض المصلحية لوجدوا نماذج كثيرة من الشخصيات الوطنية العراقية الليبرالية النزيهة والمؤمنة بحل ديمقراطي لا يفرق بين شيعي وسني وكردي وعربي. الأميركان يهملون التعامل مع هؤلاء الوطنيين ظنا منهم بأنهم معادون لأميركا، أو لأنهم معوِقون لمشاريع تفكيك العراق وشرذمته، وهو هدف يرغبه الأميركان. إلا أن تحركاتهم العسكرية النشطة في العاصمة وعلى أطراف نينوى والتي تصاحب اقتراب معركة الموصل التي سيقودونها بلا حشد شيعي، ممكن أن تُحسَم على صفحاتها الكثير من المشاكل السياسية العالقة في كل من العراق وسوريا. وقد تتبلور حقائق على الأرض تحسم مصير العرب السنة سواء بإقليم مستقل أو متواصل داخل العراق، وعندها سنعرف ماذا يريد الأتراك والإيرانيون، وأين موقع السعودية في كل ذلك.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر