الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الاحد 17 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10845

الشيخ أحمد كريمة.. ليتني ما رأيته

في اليمين الديني لم ينجح أحد، وكما أن قرار الحرب أكبر من يترك للعسكر وحدهم، فمن العبث أن يوكل التجديد إلى صناعه وكهنته.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/02/09، العدد: 10180، ص(9)]

بتصرف مباح أستعير عنوان محمود شاكر “المتنبي.. ليتني ما عرفته”؛ فمنذ سنوات أتابع الشيخ أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، أتابع كلامه واجتهاده، وأراه جريئا إلى حد كبير إذا ما قورن بغيره من رجال الدين، وأعلم أنه هو وغيره من أساتذة جامعة الأزهر سيرفضون مصطلح “رجال الدين”، كما أعلم ما يعانيه من تعنّت هو قدَر الأعزل في مواجهة مؤسسة راسخة مثل الأزهر.

وقد استمعت للشيخ أحمد كريمة مساء الثلاثاء الماضي (2 فبراير 2016) ففوجئت بأنه غير الذي كنت أستمع إليه وهو يشتكي إلى الله، في أكثر من برنامج تلفزيوني، تشدد جامعة الأزهر معه واستدعائه للتحقيق بتهم مفتعلة، منها ممالأة الشيعة بعد زيارته لإيران. كان الرجل ضيف حلقة نقاشية “تجديد الخطاب الديني” نظمها معرض القاهرة للكتاب بالتعاون مع شبكة (بي. بي. سي. عربي)، وسخر ممن يطلق عليهم “الدعاة”، ويتصدرون الفتوى من منابر المساجد والقنوات والبرامج الفضائية، قائلا إن وراءهم مصالح أو جهات سياسية تطلقهم على الناس وتحميهم. تحمي مدعي العلم لا الناس.

ولكن أحمد كريمة قال كلاما كثيرا وخطيرا يضعه في دائرة تضم غلاة الإخوان والسلفيين، وإن ابتعد عنهم بمسافة تسمح بالتلاقي والتماس في مركز الدائرة، حيث لا يمكن رسم خط مستقيم في انحناءاتها. قال الشيخ إنه ينتمي إلى مدرسة الإمام محمد عبده، ولكنه منح الأزهر دورا في الوصاية على الإبداع، “فالأزهر منوط به حماية الثقافة الإسلامية”، حتى لو كانت رواية “تهدد السلم العام والأمن العام”، وانزعج أيضا من مصطلح “علمانية الدولة”، مشددا على أن الإسلام “يتسامح مع أهل الكتاب”. وأكد أن الآية 90 من سورة النحل تضمنت ست مسائل “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي”، ومن باب التباهي والتعالي “الإسلامي” قال “هاتوا لي شريعة سماوية أو أرضية تنص على الأمر بالعدل وحقوق الإنسان مثل هذه الآية”.

أمام منطق “هاتوا لي”، طلبت الكلمة، وأعلنت اعتراضي على مصطلح “التسامح الإسلامي”، فهو استعلائي يؤكد التفضل على مواطنين لهم كافة حقوق المواطنة، أو هكذا يجب، وأن من يملك أن يتسامح يمنح نفسه خيارات أخرى بحق آخرين يراهم دونه، فلا نسمع من مسيحيي مصر أنهم مثلا يمارسون مع مسلميها نوعا من “التسامح المسيحي”، وفي دول تؤمن بحق الإنسان، كآدمي كرمه الله بنص القرآن، لا يسأل إنسان عن دينه أو مذهبه، وفي هذا يتساوى المواطن والوافد واللاجئ ومن تسلل بشكل سري في هجرة غير مشروعة. أما آية سورة النحل فهي حجة على المسلمين يفتقدون العدل، وتؤكد أن النص وحده لا يكفي لإقامة العدل، وذكرتُ مقولة عثمان بن عفان “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، وأن السلطان هو القانون، أيا كان من ينفذه، ولكن اليمين الديني بكل أطيافه يتفق على حتمية أن يحكم الدولة مسلم، ويحرم ولاية غير المسلم، وإن اختلفوا في ولاية المرأة. لا فرق في هذا التصور بين الشيخ كريمة وأي متشدد إلا في الدرجة لا النوع، فكلهم درجات في سلم اليمين الديني.

انفعل الشيخ وقال كلاما مرسلا عن الدكتاتورية والضائقة الاقتصادية والفساد، وتساءل: لماذا يتجه الانتقاد إلى الإسلام كلما أثيرت قضية الإصلاح؟ وبحكم إدارة الندوة لم يكن متاحا أن يكون السجال ثنائيا، فالندوة تناقش تجديد الخطاب الديني، وفي ندوة أخرى عن الدكتاتورية سيتقصى المشاركون جذور الاستبداد الديني والعسكري وثماره المرة والدامية، وفي ندوة عن الفساد والفقر سيتم بحث هذه القضية دون التطرق إلى تجديد الخطاب الديني الذي أزعج الشيخَ كريمة أن يتم الاقتراب منه بأكثر مما توقع، وبشكل جعله شبيها بغيره من المتشددين. ثم إن أحدا في الندوة أو خارجها لم ينتقد الإسلام، فقواعده خمس لا يجادل فيها أحد، ولم يشكك أحد في العبادات أو أركانها.

في الندوة نفسها قال الشيخ كريمة إن الإسلام لا يناهض العقل، وهذا قول حسن، ولكنه أتبع هذا الكلام بأن هناك فرقا بين “حرية الفكر وفوضى الكفر”. كما نفى أن تكون في الشريعة الإسلامية مادة “ازدراء الأديان”، ولكنه أتبع هذا القول الحسن بأن “الشريعة تتضمن جريمة الردة. من ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ويطعن في أصل من أمور الدين يجلس مع العلماء ثلاثة أيام ليستتاب”. وهذا قول غير حسن، غير ديني، غير آدمي، يردده التكفيريون. وفي دولة أخرى “آدمية عادلة” يمكن أن يعاقب عليه قانون ما. الشيخ باختصار كما يقول المثل المصري “يضرب ويلاقي”، بمعنى أنه يقول الشيء وضده، ويستطيع كل طرف أن ينتقي وجها من الكلام ليكون راضيا عن الشيخ.

طلبت الكلمة، وفي لحظة قرأت وجوه أغلب الحضور، واستدعيت ندوة “مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية”، التي نظمها معرض القاهرة للكتاب عام 1992 وكانت مناظرة بين محمد أحمد خلف الله وفرج فودة ممثلين للتيار المدني، ومحمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي، المرشد الإخواني ابن المرشد حسن الهضيبي، الذي قال كنا “نتعبد لله بأعمال النظام الخاص” ومهمته الاغتيالات. التهبت الندوة فصارت مواجهة بين الإسلام والكفر، بين الدين والإلحاد، واحتشد أنصار اليمين الديني مرددين هتاف الإخوان “الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”، وتحولت المناظرة العلمية إلى ما يشبه حرب الكلام بين الإسلام والعلمانية، وبعد ستة أشهر قتل فرج فودة، تنفيذا لفتوى طائشة بكفره، ولم يستنكر أي ممثل لليمين الديني القتل أو الفتوى، بل إن الغزالي في شهادته بالمحكمة أدان فودة، واتهمه بأنه “كافر ومرتد.. ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئات على حق السلطة، ولكن ليست عليه عقوبة”.

كانت الوجوه متجهمة في ندوة الشيخ كريمة، وتحدث البعض عن انحرافنا عن الدين، وأن في التراث ما يغنينا عن الفكر الأوروبي، وحين طلبت التعليق اعترض ذوو اللحى، بحجة أنني تكلمت سابقا، وقلت: أريد ثلاثين ثانية فقط، لخصت فيها غنى الله عن العالمين، وأن القرآن لم ينص على حد للردة، وأباح الكفر من دون أن يمنح أحدا سلطة توقيع عقوبة على المرتد. وقلت إن صدمتي في الشيخ كريمة كبيرة.

باختصار: اليمين الديني لم ينجح أحد، وكما أن قرار الحرب أكبر من يترك للعسكر وحدهم، فمن العبث أن يوكل التجديد إلى صناعه وكهنته.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر