الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الكتابة والواقع

الخيانة بأشكالها وأسبابها المختلفة، هي ما تجعل الكتابة عاجزة عن الإخلاص للواقع والتجربة، بسبب هذه الفجوات في سيرورتها السردية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/02/09، العدد: 10180، ص(15)]

أدب اليوميات أو أدب السيرة رغم واقعيته، فيه خيانة من نوع ما تكون عليه ممارستها، لأسباب عديدة، بعضها يرتبط بطبيعة الكتابة، التي تقوم على اختيار وقائع وأحداث يجد الكاتب أنها الأكثر تعبيرا عن التجربة التي يتحدث عنها، أو عن الشخصية التي يريد تقديمها للقارئ، وبعضها يفرضه الواقع نفسه.

يجد الكاتب أو الكاتبة في مجتمع محافظ نفسه محاصرا بمنظومة القيم الأخلاقية السائدة، على خلاف ما يمكن لكاتب آخر في مجتمع مختلف أن يجده من حرية أثناء الكتابة. لذلك تكون الخيانة هنا مرتبطة بالظروف الموضوعية وطبيعة المتلقي، ولا سيما بالنسبة لكاتبة محكومة بشرطها الاجتماعي والأخلاقي، في مجتمع غالبا ما يعجز عادة عن التمييز بين شخصياتها الورقية وشخصيتها الحقيقية حتى في العمل الروائي.

ومن العوامل الأخرى التي يمكن أن تؤثر على صدق الكتابة السردية في هذا السياق عمل الذاكرة، إما بسبب مرور زمن طويل على حدوث تلك الوقائع والأحداث، أو بسبب النسيان الذي يمكن أن يحدث خلال زمن الكتابة، الذي لا يمكن في أيّ حال أن يساوي زمن الأحداث مهما كانت درجة صدق الكتابة وصاحبها.

هذه الخيانة بأشكالها وأسبابها المختلفة، هي ما تجعل الكتابة عاجزة عن الإخلاص للواقع والتجربة، بسبب هذه الفجوات في سيرورتها السردية. لذلك حاولت أثناء تدوين مخطوطة كتابي “أجنحة في زنزانة” أن أمنح نفسي زمنا ظننت أنه يكفي لتلافي هذا النسيان. رغم ذلك ظل هذا الخوف يلاحقني، خاصة وأنني طوال سنوات ما بعد هذه التجربة كان الخوف من قدرة الكتابة على استحضار روح هذه التجربة بأبعادها الإنسانية والروحية والسياسية والنفسية القاسية، هو العامل الحاسم في تردّدي للكتابة عنها.

الآن وبعد أن وصلني الكثير من انطباعات الأصدقاء والقراء، الذين يتحدثون عن كابوسية العالم التي تنطوي عليها خطاباتهم، يمكنني القول أن الكتابة رغم كل محاولات الإخلاص فيها لروح التجربة ووقائعها، من خلال استحضار كثافة وجعها وقسوته ووطأة الشعور الفادح به، سواء على المستوى الذاتي أو الجمعي، لم تستطع أن تستجلي كما يجب عنف تلك اللحظات وآلامها في حالات كثيرة، إضافة إلى ما وقعت فيه الذاكرة من نسيان، واكتشفته متأخرا. لذلك أعتذر منهم جميعا أحياء أو أمواتا، على خيانة لم أستطع أن أتجنبها رغم كل محاولات الإخلاص للتجربة. كما أعتذر ممّن هم الآن في قمة محنتهم بعد أن نجوا من الموت، فقد كانت تجربتنا رغم فداحتها تمرينا أوليا بالنسبة لما تختبرونه من أهوال ورعب في ليل سوريا الطويل.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر