الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الفصول

الدب القطبي لا ينتج شيئا في الفن ولا يثري حياتنا بقصيدة أو أغنية أو لوحة أو حتى مناظرة بسيطة. لا ينتج سوى المزيد من الدببة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/02/09، العدد: 10180، ص(24)]

نجيب محفوظ عنده جملة طيبة تأتي في رواية الحرافيش. الجملة تقول “لو أن شيئا يدوم فلماذا تتغير الفصول”. العبارة لم تستوقف أحدا لكنها جميلة ولصقت في ذهني منذ قرأتها وأتذكرها في الشتاء، موسم التبرم بالفصل الكريه.

أتذكرها لأواسي نفسي في شتاء أوروبا الكريه القاسي، بالذات شهر يناير الذي تخلصنا منه لأن الفصول تتغير كما ينبئنا نجيب محفوظ. يناير هذا شيء مزعج. أثناءه ليس لديك ما تتطلع إليه سوى فبراير وهذا بحد ذاته ترقب مؤلم. في فبراير تهون الأمور لأن القادم هو شهر مارس مفتاح الربيع والدفء والبراعم.

في يناير تنشط الإعلانات التي تغري الجمهور بحجز إجازة الصيف. وتروح الإعلانات تصور البلاج وصبية يتضاحكون ويلعبون بكرات كبيرة وملونة ألوانا فاقعة ومبهجة عند البحر والشاطئ الرملي. هذا استدراج ذكي. في الشتاء والمشاهد مقرور والدنيا رمادية سيسيل لعابه متذكرا البلاج والأناناس وحليب جوز الهند فيهرع إلى التلفون ويحجز إجازة. التذكير بالدفء في فصل البرد يثير فينا حب الدفء والشغف به.

كل هذا مفهوم. الذي لا أفهمه هو أن دعاة حماية البيئة لا يجدون غير شهر يناير ليطلقوا حملاتهم لتذكيرنا بمخاطر الاحتباس الحراري وينذروننا من مغبة غاز ثاني أوكسيد الكربون وأثره على الجو. يعني أنهم يذكروننا بكابوس ارتفاع درجات الحرارة وقت نكون تواقين إلى ارتفاع درجات الحرارة ولا نطلب سواها. اختيار موسم البرد لتخويفنا من الدفء توقيت سيء وفي منتهى الغباء.

الحماقة لا تتوقف هنا. يختارون أمثلة لا تثير فينا جزعا حقيقيا من الاحتباس الحراري. موسم البرد هو موسم طلب النار وإشعال المواقد والمدافئ. لكنهم يقولون لنا لا توقدوا المدافئ فهذا خطر على الكوكب ويستشهدون بأمثلة على الخطر الداهم الذي سيتحقق بإشعال الموقد بأن يقولوا إن كميات الأسماك في خليج هدسون في كندا ستتراجع. ويكون السمك المتوفر للدب القطبي قليلا جدا.

تصوروا، يريدون أن تقرفص بردان مرتجفا لأن في دفئك أضرارا بالدب القطبي الذي سيظل جوعان بسببك. يتصورون أنك ستضحي بدفئك حتى يجد الدب القطبي ما يشبعه.

أرجو ألا يفهم الكلام أعلاه على أنه ينطوي على حقد على الدب القطبي. أنا شخصيا أحبه وأتمنى له كل التوفيق والنجاح وأرجو له التقدم والازدهار. يعيش ويقضي طافيا على ألواح جليدية ويأكل سمكا.

الدب القطبي لا ينتج شيئا في الفن ولا يثري حياتنا بقصيدة أو أغنية أو لوحة أو حتى مناظرة بسيطة. لا ينتج سوى المزيد من الدببة. يعرف فقط كيف يأكل ويتكاثر. ثم إن الدب، مثل الفقمة، لا يجد كفايته من السمك أبدا. لم أر دبا قطبيا في حياتي بالعين المجردة، لكني رأيت أكثر من فقمة ولم أشهد فقمة تتعفف وتقول شكرا أنا شبعانة حين يقدمون لها سمكا في حديقة الحيوان. يعني أنها حيوانات لا تكتفي مهما كان. ولا أريد أن أبرد لكي تجد “كفايتها” المزعومة في خليج هدسن.

معذرة، سأقوم لأشعل المدفأة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر