الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

صباحكم حب.. مرة أخرى

وإن كان للجنون نصيب أن يتسلل من كوة ما.. ربما نسيتُ أن أغلق دونها حواسي العارية.. فلا بأس.. قليلٌ منه يصلح المشاعر ويعيد التوازن إلى إيقاع العقل المستقرّ ثابت الخطى..

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/02/10، العدد: 10181، ص(21)]

مرة أخرى يطلّ الحب.. لا لشيء سوى ليذكرني بأن قلبي بعافية.. وبأنه مازال يخفق ويرتبك ويبتسم.. بل ويتقافز وينتشي طربا..

لكن الملفت فيه هذه المرة أنه يأتي أكثر وضوحا.. فلا يراوغ ولا يضع المساحيق والأقنعة ولا يرتدي الملابس التنكرية والأقمشة الفضفاضة ليعتـّم على ما خفي.. فهو واثق الخطوة لا يخشى في العشق حيرة متسائل.. فيتبدّى أمام ناظريّ لامعا فضيا مثل مرآة نظيفة.. ودقيقا شديد الوضوح مثل صورة التقطتها كاميرا رقميـّة عالية الجودة..

يطلّ من الباب الرئيس لحديقة القلب.. يقرع الجرس ببساطة وخفـّة.. وهو يعلم أن الباب سـيُـفتح لا محالة دون صبر وانتظار.. فثمة حقائق لا تعرف التوجّس ولا مكان للخوف فيها ولا موضع للشك..

لا يعنيه أن يوشم بشرتي بوشم وجوده.. ولا يهمّه أكثر من أن نكون معا.. الآن.. دون خطط أو مؤامرات.. معا.. حين تسنح المفاجأة أو حين يفتح الحلم ذراعيه لاحتضان سويعات بعيدات عن ثقل العصر ودموية نشرات الأخبار.. فقـوّة اللحظة وسحرها أوقع عنده وأكثر مساسا وأجدى من قراءة طالع القادم من أيام لا أحد يملك أن يمتلك ناصيتها.. فهو ابن اللحظة البار وربيب فكرة أن يعيشها كما يحلو مزاجها وسطوة وجودها.. برغم كل ما قد توحي به هيأته الرصينة المطمْئِنة التي تمنح بالثقة..

أضحك في سريّ وأنا أتمتم حكمة جدتي “يؤتى الحرّ من مأمنه!”.. لكنني ألقي بكل قراءاتي المسبقة جانبا وأرمي بعواصف قلقي وحدسي وتوقعاتي بعيدا لأشاركه بساطة لحظته دون تلفـّت قد يُربك تدفـّقها العفوي أو قد يُلكـّئ إيقاعها الدافئ الذي يحلّ دون سابق موعد أو تحذير أو إشارة..

وطالما جاءت البداية كما شاء القدر أو الصدفة أو الأمنية.. فلن يكون المتن إلا امتدادا لها.. بشرط واحد وحيد هو ألا أحمّل نفسي وآخري عبء الإحساس بما هو أبعد من تلك اللحظة.. بحاضرها الغضّ الذي أملك أن أحياه نابضا فأضيف تفاصيله إلى دفاتر ذكرياتي ما إن يمرّ.. فأتأمل معناه وأعيد تحليل تجربته بعد حين.. أو أن أدعها تمرّ مرورها العابر إذا لم تسجل من علامة في داخلي.. مع أنها في الحالتين ستضيف ما تضيفه مهما بدا تافها عاديا.. أو دامغا عاتيا..

وإن كان للجنون نصيب أن يتسلل من كوة ما.. ربما نسيتُ أن أغلق دونها حواسي العارية.. فلا بأس.. قليلٌ منه يصلح المشاعر ويعيد التوازن إلى إيقاع العقل المستقرّ ثابت الخطى..

فمنطقة الحلم هي المكان الوحيد الذي لا أحد يملك أن يصادر تجليه.. أو أن يحول دونه ودون أن أحيا سيناريوهاته كما يحلو لي أن أبدعها.. فأرسم ما أشاء وألوّن ما أشاء وأغني وأرقص ما شاء لي الحلم.. بيد أن السرّ الأهم هو أنني أستطيع جدا أن أعيش لحظتي مثلما يشتهي حلمي أن يكون.. حينئذ سيبدو ورد الشرفات أبهى وتجنّ الخضرة في الشوارع والحدائق والبيوت.. يصبح وقع الألم أقل وطأة.. ويغدو إيقاع خطواتي على الأرض موسيقى من ثقة وتجل وعنفوان.. وطالما أرادت اللحظة أن نكون معا.. فلنكن معا.. ولنضف شيئا من الواقع-الحلم إلى رصيد ذكرياتنا اللذيذة.. صباحكم حب.. مرة أخرى..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر