الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10671

الخميس 22 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10671

سيلفي القراءة

الجميع ممن حضّروا أنفسهم لالتقاط الصور عبر الهواتف الذكية والألواح التفاعلية المتطورة، لم ينخرط أيّ منهم في قراءة كتاب في صيغة رقمية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/02/10، العدد: 10181، ص(15)]

في أحد فصول كتاب "تاريخ القراءة"، يتحدث ألبيرتو مانغويل، عن فعل القراءة على الآخرين، حيث تتحدد بوصفها تلاوة جهرية، لمتعلم بصير، على مستمعين أميين أو عميان أو مرضى، ويكون القارئ مجرّد وسيط بين شيء مطبوع ومتلقين محرومين من القدرة على ممارسة ذلك الفعل الحيوي، ويحكي المؤلف عن طلاب مدرسة كوبية تطوّعوا لتنوير عمال مصنع للسيجار عبر تخصيص ساعات يومية للقراءة عليهم في أوقات الاستراحة بمقر عملهم.

وفي هذا الفصل يورد مانغويل رسما للفنان الفرنسي ماريليي يصوّر رجلا بزي نبيل أوروبي بصدد قراءة مقاطع من صحيفة بين يديه، على جمهور من الخدم والعمال، قبل أن ينقل الكاتب سلسلة من الصور الأخرى للقراءة العمومية، كان أهمها لوحة لفنان مجهول، تشخص فعل القراءة على عمال المصانع.

والظاهر أن القصد من إيراد تلك الصور، في المحصلة، هو التدليل على الوظيفة الاجتماعية للقراءة على الآخرين، حيث مثلت حلا لمعضلة نقل الإبداع الأدبي والفكري، لشريحة غير المتعلمين، في زمن بناء مشروعي التنوير والنهضة الأوروبيين، فكان القارئ الوسيط، فاعلا جوهريا في صلب الصراع الحضاري، قبل أن يتحوّل دوره إلى مهنة لدى شرائح اجتماعية مرفهة، يتلو فيها على الأطفال مقاطع من نصوص شكسبير وآناتول فرانس ودانتي وجوته، فضلا عن العهدين القديم والجديد.

وفي مقابل هذه الصورة، بالغة الثراء، تتداعى إلى الذهن المئات من صور القراءة الملتبسة، التي يقدّم العديد من الأشخاص أنفسهم عبرها، دونما تحديد لماهية الفعل داخلها، حيث أنها التقطت كـ: “سيلفي” مهيّأ للنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، القصد منها الإعلان عن فعل يمثّل في الأحوال العادية اجتهادا غائبا، ووسيلة شبه منبوذة في سلم اكتساب المعارف والمهارات؛ وفي هذا السياق أذكر موجة سيلفيهات القراءة التي انتشرت في المغرب عقب انتهاء ما سمي بالربيع العربي، حيث تداعى النشطاء، عبر وسائط التواصل، للالتقاء عند موقع من تلك المواقع التي كانت تحتضن الاحتجاج، إنما بقصد القراءة هذه المرة، وسرعان ما انتشرت السيلفيهات التي تصوّر كيفيات حمل الكتب، في نطاق ما يمكن تسميته بطقس ادّعاء فعل القراءة، حيث يتماشى فيه لون الغلاف أحيانا مع ألوان اللباس...

وما كان لافتا حقا في صور القراءة المصطنعة تلك، أن الجميع ممن حضّروا أنفسهم لالتقاط الصور عبر الهواتف الذكية والألواح التفاعلية المتطورة، لم ينخرط أيّ منهم في قراءة كتاب في صيغة رقمية، حيث كان الهدف هو إعلان الفعل مع صورته التقليدية المندثرة. لتمرّ موجة “سيلفي القراءة” دونما أثر كغيرها من الموجات الصورية، التي لا هدف لها في السياق العربي إلا الكذب والادّعاء.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر