الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

المكان الآخر

جزء كبير من فنون اليوم وعلومها تؤكد على ما قاله يوما الكاتب الفرنسي السوريالي أندره بريتون 'فقط العيش والتوقف عن العيش هما السراب.. أما الوجود فهو في مكان آخر'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/02/11، العدد: 10182، ص(16)]

قال العالم الأميركي الشهير ريتشارد فينمان، حول ارتدادات وخلاصات نظرية الكـمّ الشهيـرة “إن كنـت تعتقـد بأنـك فهمـت شيئـا.. فـأنـت لم تفهـم شيئـا على الإطـلاق”.

هكذا يطلق العالم الفيزيائي كلامه المدويّ في وجه العلماء وتساؤلاتهم الكبرى حول الكون والوجود، لم يكن يرد بكلامه هذا تبخيس قيمة الأبحاث العلمية التي كان عنصرا فاعلا فيها حتى سنة وفاته 1988 بمرض السرطان، ولكنه أراد التأكيد على غموض الكون والعالم الذي نعيش فيه وإن تمّ العثور على بضع حقائق قد تساهم في توسيع وتصويب البحث الدائم عن معنى الكون وصلته بالوجود البشري.

المُستمع إليه وهو يتكلم عن الكون يحسبه شاعرا أو فنانا تشكيليا أطلّ على معالم بصرية مهولة، إطلالة لم يعد بعدها كغيره من البشر، منغمسا في حياته اليومية وكأنها هي كل ما هنالك.

ربما يحسد العالم الفيزيائي أو الفنان التشكيلي في لحظة من لحظات حياته الشاقة باقي البشر على سذاجة عيشهم ضمن شروط وحدود العالم المباشر، ولكن أغلب الظن أنه لن يتخلى لأجلها عن مغامرته الشيقة في الغوص أو في تفكيك الغموض المحيط بالحياة والموت والوجود.

يأخذنا كلام ريتشارد فينمان الحيوي وأسلوب حديثه الشغوف عن الكون والحياة والطبيعة في العديد من المقابلات التلفزيونية التي أجريت معه، إلى كلام فنانين تشكيليين كثر امتلكوا هم أيضا خيالا خصبا لا يفصله عن عالم الأحلام إلاّ قشرة رقيقة من ضباب مُتحلل.

نذكر من هؤلاء الشاعر والفنان وليام بليك والفنان سلفادور دالي والفنان الرائع رونيه ماغريت، معظم هؤلاء الفنانين هم من انتموا، ولو لفترة قصيرة، إلى ما اصطلع على تسميته بالتيار السوريالي والتيار الرمزيّ والتيار الفانتازي.

كما تحمل العديد من الأعمال الفنية العربية الحديثة والمعاصرة ملامح شبيهة بتلك التي تميزت بها اللوحات المنتمية إلى التيارات الفنية المذكورة آنفا، والتي شهدها القرن الفائت، من هذه الأعمال العربية نذكر بعض ما قدمه الفنان أحمد كليج والفنان بهران حاجو والفنان منيف عجاج والفنان نهاد الترك.

أعمال تقف أمامها متسائلا عن الخيال الذي حرّك مفرداتها والصيغة المغايرة في النظرة إلى العالم والزمن، والمكان، وما بعدهما.

تميّز العالم الفيزيائي ريتشارد فينمان، الذي كان رساما وموسيقيا أيضا، بافتتانه الشديد بأسرار الكون، وكان في أكثر من مرة يتكلم عن الكون باعتباره عملا فنيّا فائق العظمة.

ومن المعروف عن أسلوب هذا الفيزيائي في تعاطيه مع المعضلات الكبرى، أنه يعطي للحدس الشخصي دورا مهما لا يناقض المنطق العلمي المرتكز على الدلائل والإثباتات والاختبارات. كما تميز شأنه كشأن كل العلماء العظماء بملكة الخيال، هذه النافذة المصدّعة والمطلة على المجهول والتي لا يمكن لأي عالم أو فنان تشكيلي مهما اختلفت طبيعة عمله أن يكون من دونها.

لم أستسغ يوما محاولات زجّ ملكة الخيال في خانات منفصلة وكأنها أنواع توابل في دكاكين العطارة، كل منها يصلح لطبخة أو لحالة صحية ما دون الأخرى. فهناك خيال علمي وآخر شعريّ أو فني أو أدبي، إلخ. ولعل رؤيتي لعدد من المقابلات المسجلة مع العالم- الفنان فينمان هو ما رسخّ ذلك في نفسي.

كم من اللوحات تشبه عوالم الفيزيائي؟ وكم من اللوحات هي بمكوناتها تشكل حالة وسطية أو حالة ترقب أو برازخ وجودية وبصرية تخلخل من نظرتنا لهذا العالم الذي نعيش فيه، والذي يزداد غموضا كلما حاولنا فهمه من خلال العلم؟

ربما ما يشدنا إلى الاستماع إلى العظماء من علماء الفيزياء وبالأخص هؤلاء الذيـن يتمتعـون بنبـرة شعـريـة، هـو ما يشدنا إلى التمعـن في بعـض الأعمال الفنيـة التشكيلية خاصة تلك التي تصـوّر عـوالم غـريبة أو تلـك التي تـذهـب إلى أبعد من الجرح الإنساني، وهـو أيضـا ما يدفعنا إلى رؤيـة البعـض مـن الأعمـال السينمـائـية.

يبدو أن جزءا كبيرا من فنون اليوم وعلومها تؤكد على ما قاله يوما الكاتب الفرنسي السوريالي أندره بريتون “فقط العيش والتوقف عن العيش هما السراب.. أما الوجود فهو في مكان آخر”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر