الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

رواية 'خيط الروح' لمبارك ربيع وجدلية التحول والانقراض

الروائي المغربي مبارك ربيع يعيد صياغة نماذج بشرية، ويتأمل في قضايا سكنت حاضرالبلاد واستوطنت خيال نخبه الثقافية والفكرية والسياسية.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/02/14، العدد: 10185، ص(12)]

مبارك ربيع يكتب رواية للزمن الحاضر رغم ارتكازها على التاريخ والمرويات

منذ رواية “بدر زمانه” أظهر الروائي المغربي مبارك ربيع تعلقا لافتا بالمزاوجة بين مسارين متوازيين في الحكي الروائي، ينتسج أولها في عوالم المرويات الحكائية مستندا إلى أبعادها الرمزية، وما تحفل به من دلالات وحكم، وما تنضح به من تعابير وقيم، وصور خارقة لمنطق الإمكان؛ ويدور ثانيها في فضاءات واقعية، تتّصل بأحداث اجتماعية وتاريخية معروفة، وتعيد صياغة نماذج بشرية من المغرب المعاصر، وتتأمل في قضايا سكنت حاضره واستوطنت خيال نخبه الثقافية والفكرية والسياسية.

وفي هذا السياق تحديدا تمثُل رواية “خيط الروح”، الممتدة على أزيد من أربعمئة صفحة، بوصفها سعيا إلى بناء مناظرة تخييلية حافلة بالتقاطعات الذهنية والحسية، المباشرة والمجازية، بين كونين إنسانيين متباعدين في الظاهر، ومتساندين في العمق الخفي، يتأسس أحدهما على مبدأ البطولة الشعبية، وما يتصل بها من بناء ملحمي لرسم تحولات شخصية قادمة من مضانّ القديم والمندثر، بينما يرتكز ثانيهما على قاعدة الصوغ الروائي لوقائع تنتمي للعقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي؛ وفي كلا الكونين ثمة أجساد مستمرة في الوجود، بأشكال وآثار متباينة، لكنها منذورة للتحول، ومغالبة الانقراض.

تدور الوقائع النصية في فضاء تخييلي أطلق عليه الروائي اسم “تازودانت”، على وزن “تارودانت” و”تافوغالت” و”تافراوت”،.. وغيرها من الصيغ التصريفية لأسماء المدن والقرى في بعض اللهجات الأمازيغية المغربية؛ وهي قرية فطرية بجبال الأطلس، تقع بين تضاريس وعرة، وطبيعة ساحرة، يكاد صيتها ينحصر في موقع أثري يضم رفات الديناصورات التي استوطنت المنطقة في غابر الأزمان، ومتحف يعرض بعض ما تم الكشف عنه من هياكل عظمية لهاته الكائنات العملاقة، من قبل بعثات أثرية امتدت لعقود، وساهم فيها أجيال من الباحثين كان أشهرهم بطل الرواية “يمود” وأستاذه المؤرخ والأثري “مرّوني”.

وإذا كان بالإمكان تبئير المسارين النصيين حول قطبين شخصيين، فلن يكونا إلا “الفكّاوي” و”يمود”؛ حيث يمثُل الأول بوصفه حكّاء شعبيا، متنقلا بين الأسواق وحلقات الفرجة، يروي عبر فصول النص، سيرة “الديصور” البطل الغامض، الذي يمتد أصله، بحسب السارد، تارة إلى “عنترة” وتارة أخرى إلى “الغرانيق” أو “ياجوج وماجوج”، ويعيش كأي فرد في مجتمع “تازودانت” الزراعي، بين الملاك والفلاحين، والحاكمين.. يجاهد “الديصور” كغيره من الناس ليتخطى نطاق طبقة “العدّاية” (العمال المياومين بلغة النص)، وامتلاك وسيلة الإنتاج، كما يطمح لبناء علاقات منصفة بين الملاّك والحاكمين ممّن يثقلون كاهل الرعايا بالضرائب (المسماة “النايبة” و”الودنينية” بتعبير السارد)؛ ويبدو في المبنى الروائي كأيّ ممارس للسياسة على نحو فطري، ينجح بنضاله اليومي، وبمنطق المغالبة الاجتماعية في الوصول إلى الحكم.

تحديدا تمثل رواية (خيط الروح)، الممتدة على أزيد من أربعمئة صفحة، بوصفها سعيا إلى بناء مناظرة تخييلية حافلة بالتقاطعات الذهنية والحسية، المباشرة والمجازية، بين كونين إنسانيين متباعدين في الظاهر، ومتساندين في العمق الخفي

أما “يمود” فباحث أثري أفنى قسطا وافرا من سنوات عمره في البحث عن هياكل الديناصورات المنقرضة، في مرتع صباه “تازودانت”، بعد أن قضى سنوات طويلة من النضال السياسي في صفوف اليسار الجذري داخل الجامعة، أفضت به، شأن جلّ رفاقه، إلى عيش تجربة الاعتقال، وما رافقها من معاناة نفسية وجسدية، وما زخرت به من تحولات، مهّدت لمراجعات في النظر إلى واقع السياسة والهدف وآلية العمل والنضال.

هكذا يتقاطع المساران الروائيان عبر جناس لفظي بين “الديصور” و”الديناصور”، الكائنان العملاقان المنقرضان، والراسخان في نسغ الوجود، والمتحكمان في خيط الروح المستتر لتحوّلات الواقع الماثل وأقداره، ففي النهاية وبتعبير السارد المضيء:

“ليس الماضي ما يكتشف ولا العصور الغابرة فحسب، وإنما الحاضر القريب منه والماثل، وأهمّ منه وفوق كل اعتبار، الذهن البشري الفاعل في الأحداث وما يجب أن تكون عليه الوقائع، لا ما هي الوقائع كما كانت وتكون،…، التاريخ، كتابة الوقائع، مهما تكن مرجعياتها فهي تتضمن جزءا من إضافة وتأويل أو تحويل! الكشف الأهم متمثل في ظاهرة اشتغال الذهن البشري، للتأليف بين الأسطورة والواقع”. (ص 224).

تنبني الرواية، إذن، على لعبة المناوبة بين فصول الحكايتين الواقعية (التاريخية) والفنطازية (الأسطورية)، بحيث تتخايل الأولى إلى الذهن بوصفها امتدادا للثانية وتأويلا لها؛ هكذا تتجلى حكاية “الديصور” بما هي سعي إلى تمثيل وضع الصعود الاجتماعي من “التحت” إلى “الفوق”، على نحو تبسيطي يقتصد في تمثيل التحولات الإنسانية، كشأن مختلف أساليب الحكي الشعبي، إلا أن وضع الحكاية في المبنى الروائي القائم على المناوبة بين الممكن والخارق، التاريخي والأسطوري، يخضعها لمنطق الحبكة التي تجعل التحول من “القاع” إلى “القمة”، مرتهنا لانتهازية النفس البشرية، واستعدادها الفطري لقلب ظهر المجنّ للقيم الأصلية، وتواؤمها التدريجي مع المحيط الجديد.

بتعبير آخر يتجلى “الديصور” المنعتق من طبقة “العامة” إلى “الخاصة”، ومن “العدّاية” إلى “الحكام المتملّكين”، بما هو مجاز كبير عن شريحة المتوائمين عبر التاريخ الإنساني مع أيّ فرصة للتحول وتجاوز الانقراض، وهو ما تصوّره حكاية “يمود”، على نحو أكثر إذعانا لمدارك المتلقين، في لعبة المناوبة الروائية، حيث تتجلى باعتبارها امتحانا دراميا مفعما بالدلالة لعلاقة رفاقية بين البطل و”مصطفى” و”مجيدة”، القادمين من تجربة العمل الطلابي وطموحاته الكبيرة بصدد التغيير والثورة، قبل أن تصطدم نضالاتهم بواقع معقد، لا يستجيب لأحلامهم الطفولية، لقضوا زهرة شبابهم بين القضبان، التي تشهد نقاشهم اليومي حول جدوى تلك القناعات، وتكشف إرهاصات تحوّلهم الداخلي في تقييم المطالب والمبادئ على حد سواء؛ وتدفع بهم لحظة الإفراج إلى ترتيب آخر، تبدو فيه هيئاتهم الأولى كأطياف بائدة.. وهو ما يعبّر عنه السارد في مشهد لقاء “مجيدة” بـ”يمود” في قريته تازودانت، حيث انشغل بحفرياته الأثرية عن هياكل الديناصورات، قائلا:

رواية الزمن الراهن

“دخلت “مجيدة” في الموضوع مباشرة منذ اللحظات الأولى لوصولها، كانت حريصة على أن يدرك “يمود” مرماها منذ البداية ولا يخطئ فيما يضيع وقتهم جميعا، لا يمكنه أن يبقى خارج السرب، الرفاق الآن كل من جانبه يهيئ له المكان والمكانة اللائقة بماضيه ومستقبله، مستقبل الجميع ومستقبل هذا البلد بالذات،…، لا التعويضات والمكافآت، لا بلسم الجراح ولا تولّي السلطة بالهدف المنشود لذاته في ذاته؛ المنشود يا عزيزي لا يخفى على أحد.. تأسيس مجتمع العدالة والديمقراطية والمؤسسات”. (ص 241).

لن يستسلم يمود لتحليلات مجيدة ومصطفى، يسترسل في حلمه الخاص الذي لا يرى لما قدم من تضحيات ثمنا، هي رهانات ومكابدات وجدت لتبقى في الذاكرة، قد يحتاج المجتمع دوما إلى استحضارها والاحتفاء بذكراها، لا إلى استثمارها في تبرير التحول، لهذا يبدو التخييل الروائي مقنعا إلى حد بعيد في جعل البطل “يمود”، المشتغل على الأثر، والساعي إلى انتشال عظام كائنات بائدة، أبيّا على التحول، متمنّعا على النسيان، محافظا على جذوة الأصل الفطري، مع اختياره العيش بين الناس البسطاء في “تازودانت” البعيدة عن الأضواء والحركة، التي تضمّ رفات “أستاذه” في الحياة والمعرفة والعمل السياسي “الدكتور مرّوني”، مثلما تضم هياكل الحيوانات العملاقة المنقرضة.

وبقدر ما تبدو الرواية في شقها الفنطازي تنويعا على صيغ عديدة لاستلهام الروائي للسرد الأسطوري والملحمي الشعبي، فإنها في مسارها الواقعي تبدو وطيدة الصلة بمنزع تضمين سردية الاعتقال السياسي، وما اتصل بها من انكسارات وجراح، وتسويات وجبر ضرر، وآمال وأوهام،.. تلك التي طالت تجارب روائية مغربية شتى على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة، منذ الكتابات المبكرة لعبدالقادر الشاوي وعبداللطيف اللعبي وحتى النصوص الأخيرة لعبدالإله بلقزيز ويوسف فاضل ومحمد الأشعري..

وهو السياق الذي يجعل “خيط الروح” رواية للزمن الراهن، برغم ارتكازها على التاريخ والمرويات، وتطويحها في عوالم شديدة النأي والتعقيد، لتقاليد السلطة والمجتمع، في مغرب القرون الماضية؛ كما يحوّلها إلى شبه مدوّنة للمفاهيم والقيم والمفردات الهادية إلى معرفة ذاكرة الثقافة واللغة، في بلد متعدّد الألسنة والأعراق والروافد الثقافية. والشيء الأكيد أن رواية مبارك ربيع هاته بتركيبها غير التقليدي، وعدم استسلامها لغواية الحبكة الواضحة، ورهانها على تعدد صيغ الامتداد الحلقي، وتداخل الأزمنة في المشاهد والفصول، بين الماضي المتداعي إلى الذاكرة والأفق المنظور، تجعل من القراءة تجربة صعبة، وامتحانا حافلا بالمتاهات، لا يخفّف من غلوائه إلا لغة التصوير العذبة التي ترتق المشاهد والمسارات المتباعدة بـ”خيط الروح” المضيء.

كاتب من المغرب

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر