الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

تسمين الشرطة في دولة النائب العام

دماء الأبرياء تمنح كارهي الحياة دليلا على فشل إدارة الدولة فيفرحون ولكن مواجهة الإرهاب لا تكفي لبناء طريق إلى المستقبل في غياب العدل.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/02/16، العدد: 10187، ص(8)]

في كل الأفلام المصرية يترافع ممثل النائب العام بصرامة. ينظر بغضب إلى “المتهم”، ويرفع صوته إلى طبقة أعلى، ويسرد الاتهامات بكلام إنشائي بلاستيكي خال من الأخطاء الإعرابية والأسلوبية، ثم يطالب المحكمة بتوقيع أقصى العقوبة على المتهم ويمنحه لقب “المجرم”. المرافعات على الطبيعة تختلف، وقد شاهدت بنفسي نماذج منها حين عملت محررا للحوادث في نهايات القرن الماضي، واقتربت كثيرا وسمعت مرافعات ركيكة، لا تخلو جملة من خطأ أسلوبي أو إعرابي، وتساءلت: كيف يتخرج طالب بتفوق في كلية الحقوق وهو يحتفظ، متباهيا، بهذا الجهل اللغوي؟ وبعيدا عن القاعة كان رئيس المحكمة يبتسم، ولا يجرؤ على السخرية، أو القول إن هذا دور لا بد أن يؤديه “شخص ما” يمثل النيابة، لا بأس، فالمحكمة تعيد التحقيق على مهل مع المتهم، بصرف النظر عما ورد في محضر الشرطة وتحقيقات النيابة. في تلك الفترة علمت أن بعض وكلاء النائب العام، الذين يصبحون قضاة في فترة لاحقة، كانوا ضباطا في الشرطة.

مهام القضاء، والنيابة أولى درجات هذا السلم، تحتاج إلى مهارات إنسانية تفوق استسهال توجيه أصابع الاتهام بإدانة المواطن – المتهم. في الحالة المصرية الحالية لدى الشرطة ثأر مع الشعب، منذ “جمعة الغضب” 28 يناير 2011. لولا يوم الفصل ذاك لظل حسني مبارك رئيسا، وشبح توريث ابنه يشل العقول عن النظر إلى المستقبل، بمباركة مثقفين كبار لا تحول شيخوختهم دون الإدلاء الآن بهرتلات عن مكافحة الإرهاب، وحسين طنطاوي وزيرا للدفاع، وعبدالفتاح السيسي مديرا للمخابرات الحربية، وحبيب العادلي وزيرا للداخلية، وقد شهد عهده أزهى عصور “تسمين” رجال الشرطة، ولكن ذلك التسمين، بالمعنيين الحرفي والمجازي، انهار أمام حشود الغاضبين، هؤلاء الذين ضاعت تضحياتهم سدى، وأحسنوا الثورة، ولم يحسنوا ما بعدها؛ فسرقت مرتين، ولا يمكن التكهن بطبيعة الموجة الثالثة ونتائجها.

ليس سهلا على وكيل النيابة القادم من كلية الشرطة أن يتخلص من “تراثه”. حتى لو درس مواد قانونية مما يدرسه طالب كليات الحقوق، فأهم ما تدرب عليه هو السمع والطاعة. لا يختلف إلا في الدرجة خريج كلية الشرطة عن عضو جماعة ذات ظلال تنظيمية عسكرية صارمة مثل الإخوان. ستكون مصطلحات مثل الحقوق الآدمية للمتهم نشازا في أي تحقيق لا بد أن ينتهي بالاتهام، والإحالة إلى محاكم تتراكم أمامها القضايا.

خشونة الشرطة حاليا، والتي تبلغ درجة القتل، هي بعض ميراث عهود الاستعباد. نتوقع هذا العنف المجاني، نفسره ولا نبرره، كما يمكن في ضوئه معرفة أسباب عدم التعاطف الشعبي مع بعض ضحايا الشرطة الشرفاء. لا ثقة بين الشعب والشرطة حين عادت إلى سيرتها الأولى. فلماذا يسلك بعض وكلاء النائب العام سلوكا شرطيا؟

في الباب الثالث من الدستور المصري (2014) نصوص صريحة على أنه لا يجوز المساس بالكرامة لأنها “حق لكل إنسان.. وتلتزم الدولة باحترامها وحمايتها”، “التعذيب بجميع صوره وأشكاله، جريمة لا تسقط بالتقادم”. وتقول المادة الـ 55 “كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيا أو معنويا”، وتبدأ المادة الـ 57 بالقول “للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس”. وما أكثر ما انتهكت الحياة الخاصة جدا، لمواطنين وأعضاء في البرلمان، وعن طريق مواطنين يحتمون بعلاقات وثيقة بجهات أمنية وأصبحوا أعضاء في البرلمان، ولم توجه إليهم تهمة انتهاك الدستور. وقبل هذا، وبعده، استمر مسلسل القتل، ودائما يكون المخرج الساذج بإدراجها ضمن المخالفات الفردية.

كيف نام وكيل النائب العام ليلة قرر حبس الصبي محمود محمد “معتقل التيشيرت”؟ في يناير 2014، في ذكرى الثورة، ارتدى الصبي محمود قميصا مطبوعا عليه جملة “وطن بلا تعذيب”، فقبض عليه، واتهم بالتحريض على العنف، ويتواصل إلى اليوم تجديد حبسه احتياطيا، بعد القضاء على مستقبله الدراسي، وكأن أكثر من عامين لا يكفي لإثبات الاتهام، أو الإفراج عنه بأي ضمان. الصبي الذي كبر في المعتقل سيظل تمثيلا حيا لخرق القانون، الإنساني والجنائي، والدستور الذي يسمح بفتح سقف الحبس الاحتياطي وفقا لخيال النيابة.

كيف نام وكيل النائب العام بعد أن رأى صور مصرع “شهيدة الوردة” شيماء الصباغ، في وسط القاهرة، وهي تحمل في يناير 2015 طوقا من الورد في ذكرى الثورة؟ لا يوجد مبرر إنساني أو مهني يدعو ضابطا لقتل سيدة في مسيرة سلمية على رصيف ميدان طلعت حرب. ولكن النيابة وجهت إلى شهود الإثبات تهم التظاهر والإخلال بالأمن والنظام العام، ولولا أنها قيادية في حزب، وأثار قتلها تعاطفا دوليا، لأفلت المتهم الذي عاقبته محكمة، في يونيو 2015، بالسجن 15 عاما، وألغت محكمة النقض أمس الأول (الأحد) الحكم السابق، لتعاد محاكمة المتهم من جديد.

كيف نام وزير العدل السابق محفوظ صابر، حين أحال في مايو 2015 المستشار زكريا عبدالعزيز الرئيس السابق لنادي القضاة إلى مجلس الصلاحية والتأديب، بزعم أنه شارك وحرض على اقتحام مبنى أمن الدولة بالقاهرة في مارس 2011، وأتى في ميدان التحرير أفعالا لا تجوز من قاض في فترة الثورة مشتغل بالسياسة. وبعد أيام طالب عبدالعزيز بتنحي ممثل النيابة قائلا إنه منعه من أن يجلس أثناء التحقيق، وشتمه وحاول ضربه. وقبل أيام أقام عبدالعزيز دعوى قضائية يختصم فيها رئيس الجمهورية، ووزير العدل، ورئيس مجلس التأديب الذي حجز الدعوى للحكم في جلسة 7 مارس 2016 من دون سماع مرافعة أو شهود أو مواجهة “المتهم” بأدلة إدانة. إذا ضاق صدر قاض، يجب ألا يحكم وهو غاضب بنص الحديث النبوي، بقاض “متهم”، فماذا يكون سلوكه إذا كان المتهم مواطنا مسكينا لا يحظى بشهرة أو مكانة مرموقة؟

كيف نام وكيل النائب العام وهو يحيل دعوى حسبة من مواطن ضد كاتب إلى المحكمة؟ كيف رضي بمخالفة الدستور الذي تنص مادته الـ67 على أنه “لا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة”؟

مصر تواجه إرهابا غير مسبوق، تدعمه قوى داخلية وإقليمية. لا تخطئ عين المتابع شماتة ظهير مدني وبعض فصائل اليمين الديني بشهداء الجيش والشرطة ضحايا الإرهاب. دماء الأبرياء تمنح كارهي الحياة دليلا على فشل إدارة الدولة فيفرحون. ولكن مواجهة الإرهاب لا تكفي لبناء طريق إلى المستقبل في غياب العدل.

تتخبط الثورة، وكلما نهضت تعثرت، ومن دلائل تعثرها أن يستمر قانون يسمح بانخراط الشرطة في الهيئة القضائية. لو أن ثورة مرت بمصر لألزمت أفراد جهاز الشرطة بدورهم الاحترافي فقط، أداء وظيفة إن شاؤوا تركوها، لكي لا يمنوا على أحد بما يرونه “تضحيات”، وإذا أخطأوا فيجب أن يخضعوا لسلطة القانون، أما في حالة “التسمين” فإنهم يتوحشون، وحين يستشري السرطان يلتهمون أقرب الضحايا.. ولي النعم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر