الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

عروش وتيجان

نحن مبرمجون منذ الطفولة لنكون مسحورين بالملوك والأميرات، هذا الحشد من الطبقة العليا لا يشكل مادة الأحلام وحسب بل يشكل مادة ما هو أحلى من الأحلام، إنه مادة النعاس.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/02/16، العدد: 10187، ص(24)]

في فترات متباعدة لا تتجاوز المرتين في العام تخرج ملكة بريطانيا من قصر باكنغهام في موكب رسمي. وتعالوا تفرجوا على الجمهور الكريم من العامة والسياح يتجمهرون قرب القصر. منظر العربات والجياد المطهمة والحرس الملكي بملابس مذهبة يختلط بأصوات الأبواق والطبول ليصنع مهرجانا مصنوعا من مادة الأحلام.

الجمهور المبهور بالملكية وشعائرها أغلبه من العوام الذين لا يكتفون بالفرجة بل ويرفعون أطفالهم لينبهروا ويتشربوا بالاحترام والحب لزعامات الارستقراطية الأوروبية التي تمثلها العائلة المالكة البريطانية.

السياح المزدحمون على أمل اقتناص نظرة سريعة على صاحبة الجلالة قادمون من بلدان ثارت على التاج لتكون جمهوريات تنعم بقيم العدل والمساواة مثل الولايات المتحدة وفرنسا، لكنهم يأتون إلى لندن بالآلاف لينظروا إلى الملوك.

سفير بريطانيا في الولايات المتحدة يروى أن سيناتورا أميركيا كان واقفا إلى جانبه في استقبال الملكة قال له مستفسرا عن الأصول والواجب إزاء الملكة “هل ننحني للملكة عندما تظهر”، فقال له السفير اللئيم “يا عزيزي لقد خضتم حربا دامية راح ضحيتها الآلاف لكي لا تنحنوا للتاج البريطاني”. السياسي الأميركي يحتاج إلى من يذكره بثورته للاستقلال عن بريطانيا، هواه الحقيقي والفطري هو الانحناء للتاج.

في بريطانيا نفسها تجد الفقراء والكادحين الذين يشكلون مادة متوقعة للانقضاض على الارستقراطية، تجدهم ينفقون المال على شراء مجلات لتقصي أخبار الأمير ويليام وكيت ميدلتون والصغيرين جورج وشارلوت، هذا فضلا عن شراء أكواب خزف، مثلا، تحمل صورهم.

الفقراء يعرفون أخبار كل دوق ولورد ويزهون بمعرفتها ويتباهون. أعرف ناسا في الوطن العربي يتابعون أخبار ملوك بريطانيا وأمرائها بشغف عجيب ويتمنون أن عندهم أرستقراطية وعربات ملكية وجيادا مطهمة ومزوقة وأصوات أبواق ورفرفة أعلام زاهية ترافق ظهورهم.

حب الأرستقراطية يدفع الشعوب إلى اختراعها. هل تذكرون قصيدة نزار قباني التي غنتها نجاة: الحب في الأرض بعض من تخيلنا/؟ لو لم نجده عليها لاخترعناه. في الولايات المتحدة هناك أرستقراطية مشتقة من أسر سياسية مثل عائلة كنيدي وأخرى مستلة من هوليوود مثل عائلة هيوستن. يعني يشيرون إلى أنجليكا هيوستن على أنها حفيدة والتر هيوستن وابنة جون هيوستن.

هناك حاجة إلى الأرستقراطية أعرف سببها. نحن مبرمجون منذ الطفولة لنكون مسحورين بالملوك والأميرات، هذا الحشد من الطبقة العليا لا يشكل مادة الأحلام وحسب بل يشكل مادة ما هو أحلى من الأحلام، إنه مادة النعاس.

النعاس خير من النوم. الأم أو الجدة ينساب صوتها مصحوبا بتربيت على الرأس وتبدأ حكايات سمعناها مرات ومرات ولا نرتوي، كلها تقول “يحكى أن ملكا” أو “يحكى أن أميرة”. لم أسمع في حياتي بداية تقول “يحكى أن رئيسا للوزراء” أو “كان ياما كان رئيس جمهورية”. هذا سر تعلقنا بالأرستقراط.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر