الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

عمي يا بيـاع الورد

أليس الحب أولى بالاحتفاء من الحقد؟.. فوردة حمراء واحدة.. صغيرة.. “لا تشغل حيزا في الفراغ”.. تملأ القلب والمكان بعطرها ومعناها.. وهي على صغر حجمها كبيرة في دعواها البريئة إلى الحب.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/02/17، العدد: 10188، ص(21)]

في عيد الحب.. ملأت صور باقات الورود الحمراء مواقع التواصل الاجتماعي.. وملأت رسوم القلوب ورسوم كيوبيد ملاك الحب صناديق بريد الفايبر والواتس آب.. لتكتسح الهواتف المحمولة والكمبيوترات وبرامج التلفزيون.. واجتاح اللون الأحمر الزاهي الشوارع والبيوت.. فلوّن البالونات و”الدببة” وبطاقات المعايدة والأضواء في المتاجر والساحات العامة، حتى حلّ بزهوه محلّ لون الدم القاني الذي يجتاح مدننا وقرانا في العراق وسوريا وسواهما من البلاد التي أدمنت الحروب. فصار الأحمر رمزا للحب والحياة عوضا عن ترميزه للحقد والموت.

عيد الحب أو عيد العشاق أو عيد القديس فالنتاين صار مناسبة سنوية تحرّض على الحب والجمال.. وتفتح الباب للمشككين والمتشدّدين ليحللوا ويحرموا.. رغم أن القديس فالنتاين بريء من عيد الحب براءة الذئب من دم ابن يعقوب!

وتحدثنا الرواية التأريخية غير المؤكدة أنه في حوالي القرن الثاني الميلادي تم اضطهاد القديس فالنتاين بسبب إيمانه بالمسيحية ورفضه التحول إلى الوثنية التي كان يؤمن بها الرومان، فحـُكم عليه بالإعدام. وتم تنفيد الحكم في الرابع عشر من شهر فبراير. ويروى أنه قبل إعدامه بأيام قام بمعجزة شفاء ابنة سجانه الكفيفة.

ولا تشير سير حياة القديسين في “الأسطورة الذهبية” التي قدمت الحكايات الشعبية بإطار تاريخي إلى أي صلة لهذه القصة بالحب الرومانسي.. بيد أن ما وصلنا في العصر الحديث يروي أن القديس فالنتاين كان قد رفض قانونا قيل إنه صدر عن الإمبراطور الروماني كلوديس الثاني يمنع فيه الشباب من الزواج.. وافترضت هذه الروايات أن الأمبراطور أصدر هذا القانون لزيادة عـدد أفراد جيشه لأنه كان يعتقد أن الرجال المتزوجين لا يمكن أن يكونوا جنودا أكفاء.. وكان القديس فالنتاين يقوم بإتمام مراسيم زواج الشباب بشكل سري. وعندما اكتشف كلوديس أمره أودعه السجن وأمر بإعدامه.. ولإضفاء بعض التوابل على تلك القصة المزعومة.. رُوي أن فالنتاين قام بكتابة أول بطاقة عيد حب في الليلة التي سبقت إعدامه لتصل إلى حبيبته وهي ابنة سجّانه التي منحها البصر بمعجزة.. وقد ذيل البطاقة بتوقيعه الخاص: “من عاشقك المخلص فالنتاين”.. أصبح يوم الرابع عشر من فبراير مرتبطا بمفهوم الحب الرومانسي الذي أبدع في التعبير عنه الأديب الإنكليزي جيفري تشوسر في العصور الوسطى.. بيد أن الدراسات تشير إلى أنه قبل عصر تشوسر لم تكن هناك أي صلة بين القديسين الشهداء الذين كانوا يحملون اسم فالنتاين وبين الحب الرومانسي..

وقد شاع الاحتفال بهذا العيد بشكل رسمي في القرن التاسع عشر الميلادي في بريطانيا لينتقل بعدئذ إلى الولايات المتحدة الأميركية.. ويصبح تقليعة سنوية تروج لها الشركات لتجني الأرباح باسم الحب.. فتزدهر تجارة الورد والبطاقات البريدية والملابس الحمراء وسواها.. لتغزو التقليعة بلدان العالم بالتدريج فتصبح مناسبة سنوية للاحتفاء بالحب..

ولكن لم لا؟ أليس الحب أولى بالاحتفاء من الحقد؟.. فوردة حمراء واحدة.. صغيرة.. “لا تشغل حيزا في الفراغ”.. تملأ القلب والمكان بعطرها ومعناها.. وهي على صغر حجمها كبيرة في دعواها البريئة إلى الحب..

أحلم بالسلام وأنا أرى الورود تشرب من ماء دجلة والفرات.. وأدندن في سرّي: “ورْد الزرعْتـَه خوش ورِد.. بإيدي زرَعْتـَه.. من دجلة والفرات يُبه.. مايه انا جبته.. عمّي يَبيّـاع الورد كُـلّي الورِد بيش؟”..

صباحكم ورود حمراء..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

:: اختيارات المحرر