الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

ثقافة التداول

قرار وزير الثقافة المغربي لا يخرج عن إجراءات المراجعة التي شهدتها مختلف المشاهد الثقافية العربية بعد موجة الانتفاضات التي ندّدت بالفساد والاستبداد.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/02/17، العدد: 10188، ص(15)]

حين اتخذ وزير الثقافة المغربي قرارا بعدم تكرار أيّ اسم في لجان تحكيم جائزة المغرب للكتاب، خلال السنوات الخمس الأخيرة، كان بذلك يضع حدّا لآفة مخربة لاشتغال عمل اللجان الثقافية؛ ذلك أنه خلال سنوات عديدة كان قد برز للوجود، على طول العالم العربي، شيء اسمه محترفو التحكيم، وهم ثلة من الأسماء النقدية، قادمة من فكر يساري هجين، تحوّل تدريجيا إلى فكر انتهازي، وطيد الصلة بالأنظمة التسلطية واختياراتها الثقافية، وقد انتقل أغلب هؤلاء النقاد والباحثين بشكل تدريجي من نطاق الجامعة إلى مراكز النفوذ في الصحافة ودور النشر ووزارات الثقافة، ليهيمنوا بعدها بشكل يكاد يكون كليا على الإصدارات الصحافية بشقيها اليومي والدوري، وباتت كتاباتهم المروجة لأعمال مجايليهم ورفاقهم الأيديولوجيين وأتباعهم، حاضرة في كل المطبوعات مدفوعة الأجر، وفي جل البرامج الحوارية على الفضائيات، ومن ثمّ صاروا يمارسون سلطات رقابية على الصحافة ودور النشر والمؤتمرات الأدبية، التي توالدت كالفطر في ما قبل الربيع العربي، لتلميع صورة الدكتاتوريات العربية وإظهارها بمظهر الراعية للآداب والفنون.

والحق أن قرار وزير الثقافة المغربي لا يخرج عن إجراءات المراجعة التي شهدتها مختلف المشاهد الثقافية العربية بعد موجة الانتفاضات التي ندّدت بالفساد والاستبداد في أبعادهما الشاملة، والبعد الثقافي في القلب منها؛ ذلك أن مشاهد التحكيم الناتجة عن رهن القرار الثقافي بين أيدي قلّة من الكتّاب، حول لحظات التتويج بالجوائز والمنح، من المحيط إلى الخليج، إلى نوع من شراء الذمم، ومكافأة المريدين والأتباع، وتأليف قلوب الخارجين والمتمردين؛ ألم ينتفض الروائي المصري صنع الله إبراهيم، في تلك الواقعة الشهيرة، على جائزة مؤتمر الرواية بالقاهرة، لإدراكه التام أن الأمر لا يتعلق باعتراف ومكافأة، وإنما بسلوك تدجيني؟

لهذا نستطيع أن نقرّ لتلك الانتفاضات، بفضل الإطاحة بجماعة العرّابين، التي أدمنت تخطيط مسارات التتويج، بعيدا عن النصوص والمنجزات، مثلما نقرّ لوسائط التواصل الاجتماعية بفضل تشكيل رأي عام ثقافي ضاغط، ورقيب على عمل المؤسسات الثقافية، بما فيها مؤسسات الجوائز العديدة ذات القيمة المادية المجزية، وهو ما أنتج لنا ثقافة التداول في لجان التحكيم والحضور في الملتقيات الثقافية والتتويج والاعتراف.

من هنا بإمكانك، عزيزي القارئ، أن تطالع لائحة الكتّاب المحكمين في جائزة البوكر للرواية العربية، لهذه السنة، على سبيل المثال، دون أن يصدمك اسم مستهلك لأحد عرّابي الجوائز، أو محترفي التردد على مهرجانات الخمس نجوم، بل قد لا تتعرف على أغلبهم، ليس لأنهم دون حضور أو إنتاج رمزي، ولكن لأنهم خارج دائرة التلميع الإعلامي والوجاهة الثقافية.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر