الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

متحف 'مقام' للفن الحديث والمعاصر: ذاكرة حيوية

  • من المعروف أن النحت على تنوّعه لم يحصل حتى الآن على الأهمية التي حصل عليها الفن اللبناني التشكيلي الحديث، حتى وإن كان هذا الأخير لم ينج تماما من التغييب، إذ تعرض الكثير منه للسرقة وللتلف وللضياع وللتزوير، خاصة في فترة الحرب اللبنانية وبعدها. ولولا مبادرات شخصية قليلة عرفها لبنان لكان العديد ممّا تبقى من تلك الأعمال، التي تشكل جزءا مهمّا من الإرث الفني الوطني، في طيّ النسيان أو الضياع التامّ.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/02/18، العدد: 10189، ص(16)]

النحت ذاكرة متجسدة

بيروت- ساهمت المبادرات الفردية في الحفاظ على فن النحت اللبناني وما يمثله من إرث فني وطني في لبنان، ومن تلك المبادرات نذكر “متحف جميل ملاعب” الذي أنشأه الفنان على نفقته الخاصة ويضمّ أعماله التشكيلية والنحتية على السواء.

ونذكر أيضا “متحف دوروتي سلهب” الذي أقامته عائلتها بعد وفاتها خوفا من أن تتبعثر أعمالها، ويغيب ذكرها كواحدة من أهم رواد الفن السيراميكي العربي.

ومن بين المتاحف الخاصة التي رسخت مكانتها كواجهة لفن النحت في لبنان متحف “مقام”، الذي أرسى حضوره الراسخ على الساحة الفنية اللبنانية، بعد افتتاحه سنة 2013، بالرغم من التوقعات التي كانت تتكهن بعدم استمراريته، فهو من جهة يقع بعيدا خارج العاصمة بيروت، على تلة خضراء في عاليتا، قضاء جبيل، ومن جهة أخرى يرتكز اهتمامه على فنون النحت.

"مقام" الفن

ها هو اليوم متحف “مقام” للفن الحديث والمعاصر الذي تبلغ مساحته أكثر من عشرة آلاف متر مربع، يقدّم معرضا استعاديا للفنان اللبناني حسين ماضي الذي يعرفه اللبنانيون كفنان تشكيلي أكثر من كونه نحاتا.

المتحف أصبح يضمّ الآن ستة أعمال معدنية/ نحتية قدّمها الفنان كهدية للمتحف وهي بمثابة تأكيد على موهبة الفنان في اختزال الخطوط، وتحويلها إلى أشكال وأحجام عصرية تحاكي الواقع وتنبض به.

"مقام" يوثق الفن اللبناني ويبرز الأعمال للجيل الجديد الذي يعتبر الكثير من أفراده أن لا زمن فنيا قبل زمنه الحالي

ليس هذا المعرض هو الأول من نوعه في متحف “مقام”، فقد سبق أن عرضت أعمال نحتية مهمة للأخوين بصبوص مع تعريف عميق بأعمالهما وتأثيرهما البارز على فن النحت المعاصر بشكل عام. وقد خصص القيّمون على المتحف قاعة شاسعة تُعرض فيها وبشكل دائم منحوتات لبنانية حديثة لأبرز وجوه النحت في لبنان. نذكر منهم يوسف الحويك، ومروان صالح، والأخوين بصبوص.

هذا المعرض الدائم للأعمال جاء وفق تقسيم دقيق وبناء على نوعية المادة المُستخدمة في فن النحت. وقد صُممت أربعة أقسام متباينة وهي: قسم للمنحوتات المعدنية والبرونزية وقسم للخشبية، وقسم للخزف وقسم أخير للحجر.

الذاكرة الحيوية

نقول ذاكرة حيوية وليست حيّة لأن زائر المتحف سيكتشف إضافة إلى الحرص الكبير على إحياء الذاكرة الفنية للبنان، عبر عرض دائم ودوري لأهم النتاج النحتي، وسيدرك الاهتمام الكبير بجعل هذه الذاكرة ليست مرتعا للحنين أو مجرّد توثيق استعراضي وبارد، بل بجعلها حيوية من خلال كونها جزءا لا يتجزأ من الحاضر. متفاعلة معه وممتدة منه وأحيانا كثيرة عائدة إليه ولكن بصيغ جديدة تدعو إلى التأمل.

يظهر ذلك جليا حين نلحظ أنه منذ افتتاحه يواظب المتحف على استضافة سلسلة الندوات وورشات عمل وإقامة المسابقات الفنية وتقديم الجوائز. وربما الأهم من ذلك هي سلسلة الزيارات التي نظمها المتحف للعدد الكبير من المدارس والجامعات بهدف تعريف الجيل الجديد على جزء كبير مما صنع هوية لبنان الفنية.

أما الزيارات التي يقوم بها التلامذة ومن جميع الأعمار فهي مُرفقة بتعريف عن الأعمال الفنية وعن أصحابها. بادر عدد كبير من الأولاد برسم وتلوين مجسمات أو رسومات استوحوها من الأعمال المعروضة. وقد حرص القيّمون بشؤون المتحف على الاحتفاظ بها وعرضها للزائرين القادمين.

ليس هذا المعرض هو الأول من نوعه في متحف "مقام"، فقد سبق أن عرضت أعمال نحتية مهمة للأخوين بصبوص مع تعريف عميق بأعمالهما

يقول سيزار نمور، الناقد الفني وصاحب “دار الفنون الجميلة” والقيّم الأول على متحف “مقام”، إنه معنيّ “بتوثيق الفن اللبناني وضرورة إبراز هذه الأعمال للجيل الجديد الذي يعتبر الكثير من أفراده أن لا زمن فنيّا قبل زمنه الحاليّ ولا فن قبل الفن المعاصر المُتأثر بالأزمات الحالية التي تعيشها المنطقة العربية بأسرها”.

ضمن منطق الحفاظ على حيوية الذاكرة تُركت آلتان حديديتان ضخمتان من بقايا المصنعين اللذين كانا في فترة السبعينات من القرن الفائت قبل أن يتحولا إلى هذا المتحف. وقد وضع سيزار نمور إلى جانب الآلتين بعضا من مصنوعاتهما كالطبشور، وأكياس الإسمنت، وبذلك يختلط الماضي بالحاضر بشكل لا يقصي فيه زمن أو مكان، زمنا أو مكانا آخر، ويكونان في تجاورهما بمثابة تجهيز فنيّ واحد ومعاصر.

وما يجعل هذا المتحف ناطقا بحيوية ذاكرة تأبى أن لا تكون إلا “مشغلا” لصنع المستقبل، يخصص سيزار نمور في متحفه هذا، حيزا واسعا لفنون التجهيز والفيديو آرت، أو ما يمكن تسميته بالفن العابر، أي مجمل الفنون التي بدأ يسطع نجمها في الثمانينات من القرن الفائت. فمهما كانت عليه هذه المعارض التجهيزية من تميّز، فهي ترتبط باللحظة وتحمل صفة الزوال، لذلك جاءت فكرة القاعة الثانية في المتحف. إذ تمّ انتقاء أهمّ تلك الأعمال بالتعاون مع الفنانين المعنيين ومن ثمّ تخزينها بغية إعادة عرضها في أوقات محدّدة. وللمتحف موقع إلكتروني وصفحة تفاعلية على الفيسبوك، تأكيدا على دور المتحف في الحياة الفنية المعاصرة.

لقد تحقق حلم سيزار نمور في إقامة متحف، أو سفينة خلاص من النسيان، وهو يسعى الآن إلى تطويره، ويهدف في حال حصوله على التمويل الكافي إلى إضافة قاعة تحتوي على الأعمال التشكيلية اللبنانية الحديثة منها والمعاصرة. وهكذا تكتمل الصورة ويصير للبنان متحف فنيّ جديد يُبهت أيّ معنى لمتحف “حكومي” التمويل والتصميم، قد يُشيّد لاحقا أو لا يشيّد أبدا.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر