الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

ماء الفن ليس أزرق أو ورديا

بعض التجارب الفنية جاءت كانعكاس مباشر للقمع الذي تتعرض له المرأة في عدة مجتمعات، فقد أثبتت هذه الأعمال حدّتها وجرأتها بعيدا عن عوالم الفن النسوي النسائي على السواء.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/02/18، العدد: 10189، ص(16)]

سئلت مرات عدة هذا السؤال “لماذا لا تكتبين عن الفنانات العربيات ولا تتابعين نشاطهن الفني؟”. استغربت ومازلت أستغرب هذا السؤال كثيرا. فمن ناحية يحمل هذا السؤال اتهاما غريبا وعجيبا، ومن ناحية أخرى ليس لهذا السؤال أيّ حيثية أو شرعية. أكتب حيث يذهب قلمي وعقلي وجوارحي بغض النظر عن جنس الفنان، رجلا كان أم امرأة. دفعني هذا السؤال أن أحاول تذكر الفنانين الذين كتبت عنهم ولاحظت أن بينهم العديد من النساء، لكنني لم أكتب عنهن كنساء بل كفنانات.

هناك العديد من الفنانات يُكرسن هذه الطريقة في التفكير عبر تصريحاتهن ومواضيع أعمالهن الفنية التي تسعى إلى الالتزام بما يمليه منطق “فن النساء”، إذا جاز التعبير. وهو وصف مقيت لا يصلح لأن يصف فنا دون آخر.

إذا أردنا العودة في التاريخ لوجدنا أنه قبل الستينات من القرن الفائت لم يكن أيّ متحف يعرض أعمالا لأية امرأة مهما لمعت موهبتها وعظمت تجربتها الفنية ولم تكن أيّة صالة فنية تقبل بأن تعرض لأية امرأة/ فنانة.

وفي الماضي لم يكن الكلام ممكنا عن ناقدة فنية في مجال الفن الذي كانت إبداعاته أو الكتابة عنه حكرا على الرجال. لم أفكر في هذا إلا في الفترة الأخيرة عندما سُئلت أو اتهمت بعدم الاهتمام بـ”الفن النسوي”.

ثم جاءت الثورة النسوية التي تحولت مع الزمن في الكثير من الحالات إلى نكران لصفات الأنوثة وهو أمر لم يجرّ على الفن إلا المزيد من التساؤلات حول غاية المرأة بشكل عام: التنكر لأنوثتها والتشبه بالرجال أم الحصول على حقوقها وحريتها في التعبير؟

كانت الحركة النسوية ناجحة جدا في فترة الستينات لأنها كانت ثورة على الحروب وعلى قمع المرأة. كما كان لهذه الثورة تأثير إيجابي كبير على إطلاق التعبير الفني الحر من سجن الذكورة المتسلطة. لا أدري إذا كان لا يزال بإمكاننا الكلام عن فن نسوي، أو فن تصنعه النساء. على الأغلب أن ذلك بات حديثا غير مقبول.

الفن يمحو خطوط التمايز بين الجنسين وهو فعل إنساني شاهق فوق التصنيفات الضيقة. إذا كنت لا أهتمّ بالفن الذي تنتجه المرأة فهذا لأنني غير معترفة به. ما المقصود بهذا الفن؟ هل هو الغارق في النمطية حتى الإشباع؟ هل هو نتاج المخيلة الذكورية؟ هل هو تكريس لصورة المرأة الحالمة التي لا علاقة لها بما يجري على الأرض لا من قريب ولا من بعيد؟ هل هو تصوير المرأة المحاطة قدريا بالأطفال؟ أم هو ثورة على الذات وتخلّ عن الأنوثة وكأنها وباء؟

لا يمكن أن ننظر إلى الفن الشرق أوسطي المعاصر إلا بإدراك كيف تخطت الفنانات حاجز التعريف الضيق ليدخلن معترك الفن مدججات بجرأتهن وانقشاع رؤيتهن وتمتعهن بأسلوب غنيّ وطرح فنيّ خاص شكلا ومضمونا.

وإن جاءت بعض التجارب الفنية كانعكاس مباشر للقمع الذي تتعرض له المرأة في عدة مجتمعات، فقد أثبتت هذه الأعمال حدّتها وجرأتها بعيدا عن عوالم الفن النسوي النسائي على السواء.

نذكر من الفنانات اللواتي يخضن تجارب فنية في اتصال مباشر مع أزمات بلادهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى مشاعرهن كنساء لم يتخلين عن أنوثتهن لكن لم يجعلنها المحرك الرئيسي لأفكار أعمالهن ولبصرياتها المتنوعة في الرقة والفظاعة على السواء: الفنانة جنان مكي باشو، والفنانة سارة شمّة، والفنانة تغريد درغوس، والفنانة عُلى الأيوبي، والفنانة سهير السباعي والفنانة ميسا محمد، والفنانة ريم الجندي. ماء الفن ليس أزرق أو ورديّا. ماؤه من ألوان تتحوّل. تشفّ حينا وتتفجر حينا آخر. ماؤه يقول: لا إبحار لمن لا يعرف ركوب أمواجي العاتية.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر