الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

الخميس 27 يوليو/تموز 2017، العدد: 10704

هيكل و'ذي أندبندنت' ونهاية الإعلام المكتوب.. إلا قليلا

برحيل هيكل ونهاية الأندبندنت، يخسر الجمهور المحلي والدولي، صحافة الخبر وصحافة الرأي وصحافة التأريخ … والأنكى من ذلك أنّه يخسر تاريخا من الصحافة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/02/18، العدد: 10189، ص(18)]

هو مكر التاريخ وحكمته في آن واحد عندما تتقاطع الأحداث مع بعضها وتجري من تحت تمفصلاتها عبر وتأملات لا يقرأها إلا ذو لبّ حصيف.

رحل الكاتب الصحافيّ الكبير محمد حسنين هيكل، منهيا رحلة طويلة في ثنايا بلاط صاحبة الجلالة، بينما تضع مؤسسة الأندبندنت البريطانية حدّا لنسختها الورقيّة خاتمة بذلك عصرا كاملا من الصناعة الورقية للإعلام المطبوع، الذي ينتهي بتحبير الحرف ويمرّ بالتصفيف ولا ينتهي عند المطبعة وشاحنات التوزيع بين خطوط نقل المعلومة للجمهور.

اختارت جريدة الأندبندنت وهيكل الخروج من المشهد الإعلامي الورقيّ، ولئن اقتصرت الصحيفة البريطانية على منافسة الافتراضي ومسابقة منصات الإعلام الفوري والحينيّ، فإنّ حسنين هيكل أدرك منذ بدايات الألفية الثالثة أنّ زمن “الوجبة السريعة” سيلتهم كلّ مقوّمات التفكير ومقدرات التحليل المنطقيّ، وأنّ مرحلة الموسوعيّة التأريخية وفترة الاستقراء والاستبطان والاستفهام باتتا جزءا من ماض لحاضر يقوم على ذاكرة “السمكة”.

قد يكون هو التعبير الأوفى عن بدايات أفول عصر “المكتوب المطبوع” – نصرّ على هذه الثنائيّة لأنّ هناك مكتوبا غير ورقيّ- فبفقدان “الإنسان” و”العنوان” يضمحلّ “البنيان”، وكأي مشروع يروم الامتداد تاريخيا وجغرافيا لابدّ له من أناس أعلام ومشاريع عمليّة وشعارات للعمل… وكأي انحدار في مسار المشروع يبدأ برحيل الأعلام وانحسار “النموذج” وانحصار قدرة الشعار على التغيير في “الشارع”…

أعطى هيكل للصحافة المكتوبة ممثلة في مؤسسة الأهرام التي ترأسها من 1957 إلى 1970 نفسا للتعبير والتغيير والمقاومة والصمود أمام متغيرات السياسة والمصالح الإقليمية والدوليّة.

فكان أن أسّس أقساما للدراسات والأبحاث السياسية والاستراتيجية في المواضيع المحوريّة التي تهمّ العالم العربي، وهي الأقسام التي أصبحت في وقت لاحق مؤسسات التفكير الاستراتيجي الاستشرافي لمصر خلال حقبة الثمانينات والتسعينات، وهي ذاتها التي مكنت القاهرة من “قوّة ناعمة” حقيقية على شاكلة كوكبة من مراكز التفكير التي أثّرت في مسار الأفكار في مسائل شتّى تبدأ من اليهودية والصهيونية ولا تنتهي عند الاقتصاد المعولم وعولمة الاقتصاد.

كذلك الشأن بالنسبة إلى جريدة “الأندبندنت” التي سلكت طريقا وعرا في حقل ألغام الشرق الأوسط ساعية إلى الحصريّة في النقل والتفرّد في المعلومة، فإذ بها تنجح في استحقاق الاستيقاء الخبري من صميم الشرق الأوسط على يد الكاتب روبرت فيسك. ولكنّها فشلت في رهان البقاء والاستمرار… فليست بالأخبار وحدها تعيش المؤسسات الإعلاميّة.

إذن، هو “الزمن الصحافي” الجديد الذي يفرض على المؤسسات الإعلامية المطبوعة خياريْ التغيير الراديكالي أو الانسحاب بهدوء من “ماكينة” المطابع والتوزيع البري والجوي. ذلك أنّه لا وجه للمقارنة بين زمن صحافي كلاسيكي يقوم على مجموعة من المراحل التي تبدأ من التحرير والتصفيف والتنفيذ والطبع والتوزيع، لتنتهي عند القارئ بعد حوالي 24 ساعة من حصول الحدث وبين زمن صحافي معاصر ينشر المعلومة في وقت وقوعها وتصل إلى القارئ ويتفاعل معها عند حدوثها.

اخترق الافتراضي كلّ محدّدات الزمن الصحافي الكلاسيكي بل كسّر منظومة المرسل والمتلقي وأصّل عوضا عنها منظومة التفاعل الإخباري حيث أنّ “المرسل” جماعي و”المتلقي” متعدّد والرسالة الإعلامية هي تفاعل إعلاميّ بين النقل والنقد، بين الانحياز والتوازن، والإبلاغ والإقناع.

في كتابه عن الإمبراطورية الأميركية والإغارة على العراق، أشار هيكل إلى أنّ مستقبل الصحافة المكتوبة كامن في “الصحافة الاستقصائيّة” التي تسمح للصحافة المطبوعة باجتراح زمن صحافي جديد بعيد عن اليد الطولى للإعلام الافتراضي… ولكن يبدو أنّ النزعة الجديدة كامنة في الجمع بين “الافتراضي والاستقصائي” معا حيث يتمّ الائتلاف بين “التكلفة البسيطة” من جهة و”المعلومة الحصرية” من جهة ثانية وهو الخيار الذي خطّه الكاتب الصحافي الفرنسي إديو بلونال حيث أسسه الموقع الاستقصائي ميديا بارت بعد استقالته من رئاسة تحرير جريدة لوموند الفرنسية.

ويبدو أنّ القاعدة الاتصالية القائمة على أنّ كلّ وسيلة إعلامية جديدة لا تلغي الوسيلة الإعلامية التي سبقتها ,توجد خطورة العجز التفسيري عن الوضع الذي تعيشه الصحافة المكتوبة اليوم والذي قد تعيشه الوسائل الإعلامية الأخرى وسط اكتساح ما يطلق عليه بـ”كروس ميديا” – تقاطعات الإعلام- للفضاءات الاتصالية في العالم.

تحوّل السؤال المركزيّ للصحافة المطبوعة من سؤال “كيف نصمد”؟ إلى سؤال “إلى متى سنصمد؟”. برحيل هيكل ونهاية الأندبندنت، يخسر الجمهور المحلي والدولي، صحافة الخبر وصحافة الرأي وصحافة التأريخ … والأنكى من ذلك أنّه يخسر تاريخا من الصحافة.

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر