الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

يورانيوم الإعلام العربي

الإعلام العربي الوطني النزيه عليه الدور البارز في هذه الحقبة الحاسمة التي تهدد وجوده ومستقبله من خلال اتخاذ الحيطة في ما يتعلق بنشر المعلومات عن أحداث العنف والإرهاب.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2016/02/19، العدد: 10190، ص(18)]

بدءا لابد من الاعتراف بأن الشباب العربي يعيش في مأزق ما يسمى بالتغيير، الذي يتمثل في مجموعة من الظواهر السلبية تتعلق بالمحيط الاجتماعي، وبمناخ الواقع الذي تسوده جملة من القيم الرديئة والتناقض الثقافي والفوضى الاقتصادية والفقر والفساد الإداري ومظاهر الاستغلال والتسلط والانحراف بكل صوره وأشكاله، مما يجعله يستمد من هذا المناخ وسلوكه نمط تفكيره وأسلوب حياته اليومية.

وتلعب الفضائيات، وبالذات الطائفية، دورا لا يستهان به في تغذية أو دعم أو ظهور العنف والإرهاب والتطرف فهي، بما تقدمه من برامج وأخبار وأساليب إقناعية عن الأحداث، تتجه في معظمها لمخاطبة العقول والغرائز البدائية ونبش التاريخ وتهويله، أو زرع الفتن الطائفية عن طريق التهويل والتضخيم.

كذلك ما تبثه الصحف اليومية من أخبار وصور، بل مقالات تحت الحرية المغلوطة أو الدعم الإرهابي المبطن بالمقابل، كل ذلك يساعد على ظهور السلوكيات التي تخرج عن زمام المنطق أو ردة الفعل الإرهابية أو المبالغ فيها.

وساعد التطور التقني في تطوير وتيسير أساليب فعل العنف وجعلها أكثر فتكا، إلى جانب الاستخدام الواسع والمنظم لوسائل الإعلام التي تروج لمظاهر الإبادة والتعذيب والتخريب والقتل، وبالرغم من أن الإعلام العربي ساعد الجماهير على فهم بعض الأحداث الإرهابية، أو على بعض الطرق التي تنفذ بها، ولكن يُعاب عليه عموما، أنه أهمل وتجاهل الحديث عن الأسباب الأساسية، في بروز وتطور ظاهرة الإرهاب بالتحليل والدراسة والحياد.

فالخطاب الإعلامي العربي بشكل عام هو خطاب الكراهية، اتسع وتشعب وانتشر بشكل واسع، وأصبح أداة خطيرة للتحريض على الآخر، وبدا وكأنه هو المحرك السياسي للشارع العربي.

كما ساهم في تعميق الصورة السلبية للعنف من خلال تداول مقاطع وصور العنف وتكرارها، وبدت الشخصية العربية تتأثر سلبا بتكرار الصور ومشاهد العنف، وتنسحب على سلوكياته، وحسب النظريات فإن مشاهدتها لها تؤدي إلى اعتياد الناس على المشاهد الدموية؛ فلا تعود تُحدِث بهم نفس ردة الفعل مع مرور الوقت؛ حيث تتضاءل وتقل حساسية الشخص مع اعتياده على المناظر، وقد يتحول القلق والنفور إلى إدمان ورغبة في مشاهدة المزيد، قد تصل حد الاستمتاع بها. كما أن مشاهدة العنف لا تؤدي إلى التفكير فيه فقط؛ بل تؤثر على سلوك الشخص ليتسم بالعنف والغلظة، ويصبح إحساسه بالآخرين أقل، ويفتقد القدرة تدريجيا على التصرف بسلوك مقبول اجتماعيا، وهناك أشخاص قد يصابون بالاكتئاب والتوتر من مشاهدة العنف قد يصلان إلى حد الكوابيس، أو اضطرابات النوم والعزلة وغيرها من الأمراض النفسية. ويحاول التخلص من هذه الآلام عبر الانتقام والانخراط في الجماعات المتطرفة؛ لممارسة العنف على الآخرين، بعد أن ترسّخ العنف بالذاكرة، ويصبح كالظمآن عبثا يروي عطشه بالشرب من بحر العنف.

وباختصار، فإن محاربة الإرهاب لا تكون باتخاذ الإجراءات الأمنية فقط، وإنما من خلال استراتيجية شاملة لتعزيز ثقافة الحوار ونبذ ثقافة العنف، مما يتطلب التركيز على طريقة صياغة الخبر الإعلامي بشكل يضمن إيصال الحقيقة ومراعاة عدم تأثيرها في نفسية الجمهور. وإعادة النظر في مضامين العمل الصحفي والإعلامي، والتصدي لوسائل الإعلام التي تمارس أدوارا تحريضية مدمرة تهدف إلى التأثير في عقول الشباب وتهديد أمن الشعوب، إلى جانب التصدي للمعلومات الهدامة على الإنترنت ومعالجتها من خلال التشريعات الكفيلة بإغلاق مثل هذه المواقع التي تروج للأفكار المتطرفة.

لذلك نقول بأن الإعلام العربي الوطني النزيه عليه الدور البارز في هذه الحقبة الحاسمة التي تهدد وجوده ومستقبله من خلال اتخاذ الحيطة في ما يتعلق بنشر المعلومات عن أحداث العنف والإرهاب، والامتناع عن عرض جرائمها بكافة أشكالها وصورها بطريقة تغري بارتكابها أو تنطوي على إضفاء البطولة على مرتكبيها أو تبرير دوافعهم أو منح مرتكبيها أو المبررين لها فرصة استخدام الإعلام منبرا لهم، وتوسيع مساحة التغطية الإعلامية التي تشجع المشاركة والإسهامات الطوعية من الأفراد ومنظمات المجتمع المدني في التصدي لظاهرة الإرهاب والتطرف وتوعية الناس، مع التركيز على القيم والمبادئ التي تؤمن بحرية الإنسان العربي وقدراته على تجاوز الظروف الصعبة في ظل بعض الحكومات الطائفية التي خربت كل ما هو موجود في البلاد. وإبراز أهمية التصدي وبقوة لكل مظاهر النزاعات والطائفية والاستبدادية التي أصبحت سمة أساسية في خطابها السياسي والإعلامي.

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر