الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

10 غرامات إضافية تهدد أمن العراق القومي

سد الموصل أصبح ورقة احتياط في لعبة قمار دامية ربما تستخدم عند الهزيمة، واليوم رسالة أخرى، تتعلق بسرقة 10 غرامات، يمكن تداولها تحت طاولة معينة لا تخضع للكاميرات أو الرقابة أو الاتهام المباشر.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/02/20، العدد: 10191، ص(9)]

حكمة الديمقراطية، بالإضافة إلى حكم الشعب باختيار نوابه أو الحاكم أو الحزب، هي حماية وضمانة لمن وقعت عليه المسؤولية أيضا، ليعود إلى الشعب وبين صفوفه ليستمر في الحياة هو وأسرته مع مزايا اعتبارية واحترام لمكانته ووظيفته العامة، منتهية الصلاحية، في أعلى سلم إدارة الدولة.

الطبيعي أن يتبنى الشخص المعني أو المجموعة، تشذيب قوة المغريات في فترة الحكم ليعودوا أسوياء إلى مجتمعهم أو بالمفهوم السياسي إلى ناخبيهم ليكونوا كما الشجرة، تعيد إنتاج ثمارها في فصول قادمة وبجهد وتروي زراع أمناء على استمرارها وتحسين خصائص تربتها.

الزعماء أو الرؤساء أو قادة الأحزاب والشخصيات البارزة لا تستعجلهم الشعوب بالموت والقتل، بل يتحولون إلى خدمات أخرى تعزز من صلاتهم في حل الخلافات أو الاستعانة بهم سدادا للرأي ومساهمين فاعلين في تقديم صورة مشرفة لبلادهم في المنتديات والأنشطة الاقتصادية والإنسانية لنقل تجاربهم إلى المهتمين، وهم يحضرون كضيوف شرف ليضيفوا خبراتهم في شبكة علاقات مصالح الشعوب.

السلطة، مجموعة غرائز ونباتات جهنمية وتخمة في الاستبداد، وحالة إغماء تصيب الوعي وعمى ألوان وانبهار وفتنة وأعراض لأمراض نفسية وجسدية، والمصيبة أنهم لا يعترفون بما أصابهم ولا يتقبلون اصطحابهم إلى مراكز العلاج، وعلى هذا الحال يحصل الاشتباك المخجل والمخزي وخسائره الفادحة في نماذج من منطقتنا المصابة بلوثة السلطة.

وزارة البيئة في العراق فاجأتنا بأن هناك “تهديدا للأمن القومي” نتيجة للص “حرامي بيت” سرق بضاعة استثنائية عبارة عن 10 غرامات من كبسولات (الإيرديوم 192) وهو المصطلح العلمي لنوع من النظائر المشعة، موضوعة في حافظة صغيرة في أحد مخازن البصرة التابعة لشركة خدمات نفطية أميركية.

متى سُرِقت؟ قبل أربعة أشهر، والمتحدث عن وزارة الخارجية الأميركية صرح أنهم على علم بتلك السرقة منذ ذلك التاريخ، لكن الخبر تسرب في هذا التوقيت.

أميركا كعادتها في سياق الفترة الرئاسية لباراك أوباما، شككت من احتمالية قدرة الجماعات المتطرفة، وتعني داعش، على صنع ما يسمى بالقنبلة القذرة، المكونة من دمج مواد نووية ومتفجرات تقليدية تتولى في حالة استخدامها تلويث منطقة واسعة بالإشعاع، لكن أصابع الاتهام مجهولة والساحة ملعب مفتوح للصوص الداخل والخارج والثمن فادح.

التقدم العسكري الذي حصل في الأنبار تحت كل واقع التدمير فيها يرافقه حصار الفلوجة وهي أكبر أقضيتها والتي مازال فيها من سكانها ما يقارب 150 – 200 ألف نسمة يعانون من أقسى صنوف العذاب البشري من جوع وإرهاب متعدد الاتجاهات وقلة الخدمات الطبية وفقدان الكهرباء، تتواصل الأخبار عن حشود عسكرية أخرى واستعدادات لمعركة الموصل المؤجلة مع تضارب التصريحات حولها بين القيادة الأميركية والقيادات العسكرية العراقية.

مع كل تلك الخلطة السحرية من التحركات، تصاعدت في الأسابيع الأخيرة الفرقعات الإعلامية الواقعية حول أفلام الكوارث المتوقع عرضها في صالة “سينما العراق”، فبعد إطلاق زومبي داعش في الموصل وما تبعه من تحالفات دولية وانهيار لكل القيم والأعراف الإنسانية والإبادات المقصودة والمجازر والتغيير السكاني بالتهجير القسري وخلق الذرائع، تحضر التوقيتات لاحتمالية انهيار سد الموصل وفي طريق السيل لن تصمد سدة الثرثار والتوقعات بموت مئات الآلاف وصولا إلى بغداد، وطبعا أكبر سفارة في منطقة “الزون الأخضر” اتخذت التدابير لإنقاذ رعاياها بيسر أثناء اقتراب الخطر وليس على طريقة الهروب المُذِل من سايغون وهزيمتها في حرب فيتنام.

أنباء العقد مع الشركة الإيطالية وحجم المبلغ لتدعيم السد وفي هذا الظرف الأمني والاقتصادي يثير الريبة، تصعيد المخاوف وتكرارها مع الاستعدادات لمعركة الموصل يفهم منها، أنها رسائل مغلفة ومعنونة “سري جدا وخاص” لكن مشفرة وضمن فقرة “الإيحاء” وتوفير المعلومات عن طريق الإعلام المكشوف، لكنها تحتوي على مخاطر توجيه الإرهاب، وهو لا يُختصَر على الجماعات المسلحة الموصوفة بالإرهاب، لأننا جربنا عمليا التدخلات حتى الدولية وكيف أودت بحياة المواطنين واستهانت بما اجتهدت عليه البشرية لعقود، ضمانا لأمن الأبرياء.

سد الموصل هكذا، أصبح ورقة احتياط في لعبة قمار دامية ربما تستخدم عند الهزيمة، واليوم رسالة أخرى، تتعلق بسرقة 10 غرامات، ممكن تداولها تحت طاولة معينة لا تخضع للكاميرات أو الرقابة أو الاتهام المباشر.

الخردل والمواد الكيميائية أيضا، راج سوقها مؤخرا في التصريحات ومن أطراف أممية وشبهات وتحقيقات، وبهذا الصدد أُعيد للأذهان ما أعلنته الحكومة العراقية في 1 يونيو 2013 وقبل ضربة الغوطة الكميائية في دمشق، أنها ألقت القبض على خلية تابعة لتنظيمات إرهابية تعمل على إنتاج غاز الخردل والسارين وعرضت ثلاثة رجال مقنعين يرتدون الملابس الصفراء، لكن مع الأسف الشديد، المجتمع الدولي والمنظمات المعنية لم تحقق معهم ولم تتبن أي تصريح أو حتى مجرد رأي حول هذه المعلومة الخطيرة ومصادرها وأسباب توقيتها، وهي محاولة مخابراتية كانت في وقتها ساذجة للفت الأنظار لإبعاد التهم الموجهة للنظام السوري الحليف المصيري لحكام المنطقة الخضراء في العراق، أين هؤلاء المتهمون؟ أين الأجهزة المصادرة معهم؟ أين التحقيقات ومصيرها؟ لماذا لاذ الجميع بالصمت حتى المنظمات الدولية، على الرغم مما أعلنه الناطق الرسمي أن المجموعة كانت تنوي استهداف أوروبا وأميركا بأسلحتها الكيميائية؟

مخاوف واحتمالات كوارث ووقائع ومكائد وخفايا، في توقيتات الاستعدادات لمعركة الفلوجة ومعركة الموصل، لا يجب أن تكون عابرة أو لا يتم التوقف عندها طويلا، وهي تتعلق بحياة الملايين من شعبنا.

تجارب العراق، والعالم، والتاريخ، توفر النصيحة المجانية لكل من تسلم كرسي السلطة والحاشية، لا تستهينوا بقوة العدد الذي يمثله الشعب والبسطاء منه والمعدمون الذين توليتم عليهم بقوة الاحتلالات والإملاءات وإغراء المال وتوريط الناس واستخدام أوراق الأديان والطوائف والخوف من الآخر الذي يتقاسم معهم الوطن، بل ورطتم حتى من يفترض فيهم آخر ضمانات حكمة العقل في توحيد السلم الاجتماعي.. لكن كما يبدو، إن غالبية ساسة العراق لا يفكرون بيوم يعودون فيه للشعب، لأنهم مغادرون إلى…

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر