الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

الخميس 24 اغسطس/اب 2017، العدد: 10732

باحث تونسي يحقق رحلة مرتضى الكردي من دمشق إلى القاهرة

  • حظيت مدينتا دمشق والقاهرة خصوصا، ومصر عموما باهتمام كبير من قبل الرحالة، فقد أفاضوا في الحديث عن محاسن المدينتين وتاريخهما مستعينين بالعديد من المؤلفات الجغرافية والتاريخية القديمة، إلى جانب الأشعار التي تتغنى بهما. وكان لافتا ما قدمته هذه المؤلفات من معلومات أدبية واجتماعية وتاريخية وطوبوغرافية، فقد كان الرحالة وهم يعبرون المدن والمفازات يقومون بوصفها ويدونون مشاهداتهم وملاحظاتهم بدقة متناهية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/02/20، العدد: 10191، ص(16)]

عين على صعيد مصر وأسراره

يواصل المركز العربي للأدب الجغرافي “ارتياد الآفاق” بأبو ظبي مشروعه الهام، الذي يعنى بأدب الرحلة قديما وحديثا، مضيفا لرصيده السنوي الوافر المزيد من الإصدارات الجديدة. وفي إطار هذه الإصدارات يأتي كتاب “تهذيب الأطوار في عجائب الأمصار” لمؤلفه الدمشقي مرتضى الكردي، والذي حققه وقدم له الباحث التونسي محمد الزاهي، وقد نال عليه جائزة التحقيق.

الكتاب إضافة جديدة تتجاوز قيمته الجانب الأدبي، إلى كونه وثيقة تاريخية عن الأماكن والأحداث التي عايشها مؤلفه، ويحفل أيضا بالفوائد الجغرافية الدقيقة ووصف العمران والحياة الاجتماعية في المدن والبلدات التي زارها الرحالة أثناء تنقله بين سوريا وفلسطين ومصر.

من دمشق إلى مصر

على عادة كتب الرحلة يبدأ المؤلف بتحديد نقطة انطلاق رحلته من دمشق، مبينا الدوافع والأسباب التي قادته إلى هذه الرحلة، وهي أسباب تختلف عن تلك التي تدفع الرحالة عادة للقيام بهذه المغامرة. لقد كان شعور الكردي بالغربة في مدينته دمشق وإفلاسه، ومن ثمّ مقتل عمه على يد أعراب من الأسباب التي دفعته إلى هذه المغامرة، التي استغرقت مدة ستة أشهر ونيف، وكانت محطتها الأولى مدينة داريا القريبة من دمشق، ومن هناك انتقل إلى مدينة القنيطرة في الجولان، ومنها عبر جسر بنات يعقوب باتجاه فلسطين، التي تنقل بين الكثير من مدنها وقراها، ومن هناك إلى العريش فالقاهرة.

في القاهرة كلف الكردي بمهمة جمع الضرائب وإيراد المحاصيل من مناطق الصعيد، ما أتاح له ذلك التعرف إلى قراها ومدنها المختلفة وكذلك أعيانها، وهو ما وفر له فرصة لجمع الكثير من المعلومات عن هذه المناطق وتسجيل مشاهداته فيها.

تختلف رحلة الكردي من حيث المنهج عن كتب الرحلة الأخرى، فهي تتألف من قسمين؛ شغل القسم الأول منها الحيز الأكبر، عبر فيه الرحالة عمّا كان يعيشه من مشاعر الإحباط والسخط تجاه ما آلت إليه أحواله وما لحقه جرّاء ذلك من غبن وشعور بالضيم. ويتميز هذا الجزء بكونه جزءا أدبيا خالصا احتوى على مقتطفات كثيرة من القصائد والمقطوعات الشعرية والحكم والأمثال والقصص بحيث يمكن اعتباره شبيها بكتب المختارات. أما القسم الثاني وهو ما يشكل متن الرحلة، فقد دوّن فيه الرحالة مشاهداته إلى جانب المعلومات التاريخية والجغرافية والعمرانية، وعن اللغة والتراجم والأساطير والتراث.

كتاب عن أحوال الدنيا وصروف الزمان وتبدل الأحوال وما استدعاه ذلك من حكم وأمثال وأشعار وأحاديث نبوية

اعتمد المؤلف في معلوماته على مصادر عدّة، إلا أن النقل لم يكن حرفيا أحيانا بسبب تصرفه في النص المنقول عنه، كما كان في بعض الأحيان لا يذكر الاسم الكامل للمصدر الذي ينقل عنه، الأمر الذي دفع محقق الكتاب إلى تتبع هذه المصادر والتدقيق فيها. أما ما يتعلق بأسلوب الرحالة فقد كان منسجما مع الأسلوب الذي كان شائعا أيام السلطنة العثمانية، ما يجعل شيوع السجع واستخدام المحسنات اللغوية ظاهرا على حساب المعنى.

لقد لجأ المحقق لتجاوز بعض الأخطاء التي وقع فيها المؤلف إلى تصليح أو تدقيق بعض أسماء الأعلام أو الكتب والتواريخ، إلى جانب ترتيب البعض من المقاطع الشعرية والتعريف بالبعض من المصطلحات والرتب الوظيفية في عصر المؤلف.

من هذه المعلومات التي يقدمها الرحالة في رحلته تحديد المسافات بين المدن والقرى وتسجيل أسماء الأنهار والعناصر السكانية المكونة لمجتمعاتها، إضافة إلى الوصف الدقيق للعمران والزخارف التي كان يجدها في الخانات، وطبيعة الحياة الزراعية والاجتماعية التي كان يجدها في تلك المدن والقرى. ويظهر اهتمامه بالتكايا التي كانت تجاور المدن من خلال وصف عمرانها وما كانت تقوم به من خدمات، إلى جانب الإشارات الدقيقة والنادرة حول التقسيم الإداري للولايات العثمانية في المناطق الجغرافية، التي زارها وما كان يتبعها من مدن وقرى.

أما على المستوى التاريخي فقد قام الرحالة بتسجيل الأحداث التي وقعت في عهده، إضافة إلى ما قام به من وصف دقيق لطريقة إحياء أهل دمشق لليالي شهر رمضان في الجامع الأموي، وتقديم تراجم مكثفة للعلماء والأولياء وأسياد الطرق الصوفية.

العين التي ترى

إلى جانب ما حظيت به القاهرة من وصف لأهراماتها ونيلها وأبوابها وجوامعها وعمرانها من اهتمام خاص من قبل الرحالة، تجلّى في ما أفرده لها من مساحة كبيرة، إلا أن صعيد مصر الذي تنقل بين مدنه وقراه خلال عمله الذي كلف به لجمع الضرائب، قد نال هو الآخر اهتماما واضحا، ظهر في وصف معالمه وعمرانه وحياة سكانه الاجتماعية والاقتصادية. ولم يفت الرحالة ذكر الأحداث التاريخية التي وقعت خلال رحلته في فلسطين.

ما يميّز الرحلة هو ما ضمّته من تراجم موجزة للعلماء والأولياء وسادات الطرق الصوفية في العديد من المناطق التي زارها

إن ما يميّز الرحلة هو ما ضمّته من تراجم موجزة للعلماء والأولياء وسادات الطرق الصوفية في العديد من المناطق التي زارها، وذهب لرؤية أضرحتهم في القاهرة، كالإمام الشافعي وابن الفارض. أو ممن تعرف إليهم وجالسهم من مشايخ العلم. لكن دمشق التي اضطرّ لمغادرتها ظلت تحتل مكانة خاصة عنده، كما ظهر ذلك في وصفه لمعالمها ومنتزهاتها وعادات أهلها، مسجلا في الآن ذاته ما قيل فيها من جميل الأشعار.

ما يلاحظ في هذه الرحلة، ولا سيما في جزئها الأول، هو الاستطراد المطوّل في حديثه عن أحوال الدنيا وصروف الزمان وتبدل الأحوال، وما استدعاه ذلك من حكم وأمثال وأحاديث نبوية جعلت من هذا الجزء هامشا واسعا، حاول فيه الرحالة الذي لعبت به أقداره التي اضطرته للابتعاد عن مدينته دمشق، أن يفرج عن مخزون نفسه وأحواله القاسية. بينما تخفف الجزء الثاني من الرحلة من هذا الإسهاب، وتركز فيه الحديث عن وقائع الرحلة ومشاهداته، ووصف الأماكن والأحـداث والطبيعـة وتقاليد الناس وعاداتهم.

لقد أراد الرحالة الكردي أن تكون رحلته تصويرا لحاله قبل أن تكون تصويرا لرحلته ولمشاهداته، كما أراد فيها أن يستحضر مخزونه الأدبي والعلمي من خلال استحضاره المكثف للكثير من أبيات الشعر والتراجم المختصرة والإشارات الأدبية والاجتماعية والطوبوغرافية، للتدليل على سعة معرفته ومحبته للشعر، ومعرفته بأحوال زمانه.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر