الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

الاحد 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10817

'مدينة الخطيئة' تحول الإنسان إلى آلة متمردة على القوانين

  • ظهرت نوعية أفلام الخيال العلمي منذ عقود من الزمن، وهي أفلام اعتمدت على الخيال بتقنيات تصويرية مدهشة، الغاية منها البحث عن بديل لهذا العالم، ومحاولة الانتصار لمبادئ وقيم جديدة لأناس، قد يتحوّلون إلى مجرد آلات تتحكم فيها أدمغة جهنمية، لا تسير وفق أنظمة الكون ونواميس هذه الأرض التي صارت جحيما للبعض منهم.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/02/22، العدد: 10193، ص(16)]

البحث عن عالم أفضل

“هل أردت شيئا لم يكن يتناسب مع قدراتك؟ أن تجرب شيئا لم يكن بإمكانك أن تجربه في الواقع؟ لك أن تتخيل مكانا من دون قوانين ولا قواعد ولا عواقب أو تبعات حيث هنالك فقط حدود للمخيلة، مرحبا بكم في مدينة الخطيئة من أجل واقع أفضل، عالم الاحتمالات اللانهائية، جنة أرضية مثالية حيث تمتلك وتفعل أيّ شيء تريده”، بهذه الكلمات يتم في فيلم “مدينة الخطيئة” نشر إعلان عن مدينة افتراضية سحرية تحمل هذا الاسم، إعلان يجري بثه على خلفية عمليات سطو وقتل وتعاط للمخدرات والجنس وغير ذلك، ممّا لا يعدّ انتهاكا للقانون في عرف تلك المدينة الرقمية، إذ هناك تجري إعادة إنتاج كائنات جديدة روبوتية، تشعر وتفكر وتحيا ولكنها تخضع للنظام.

في هذه المستعمرة يسيّر الحياة المجهولة صاحب الرؤية التي قامت عليها المدير جوليان، الذي يقوم بدوره الممثل بروس ويليس، وهو الذي يسيّر ذلك العالم المجهول والسري، حيث علماء هندسة الجينات وصناعة وبرمجة الكائنات الآلية يلتقطون الضحايا ويعيدون إنتاجها، وببساطة شديدة ستتحول تلك الفتاة الشابة الفاتنة كيلي التي تقوم بدورها الممثلة إمباير تشيلدرس إلى عينة ومثال لكل ما يجري، فكل تلك الحشود من الفتيات الجميلات لسن إلا نسخا أخرى من كيلي، بعد أن لاحقها هي وصديقتها مجرم محترف أجهز عليهما، ثم أمر جوليان “بجمع النفايات” من الشارع لأنه كان يراقب كل شيء عبر الشاشات، وتمّ إدخال جثتي الفتاتين في المختبر لأجل إعادة إنتاجهما كائنين روبوتيين بنفس الملامح والقدرات.

سرد الفيلم قائم بالأساس على استجلاء أسرار تلك المستعمرة الرقمية المجهولة، وهي في تطوّرها تبدو متداخلة مكانيا ومغلقة بشيفرات سرية، ويبدو أناسها غريبي الأطوار، فليس بإمكانك التمييز بين الحقيقي منهم عن نظيره الروبوتي، وكأنه عالم ما بعد الخيال الإنساني. في هذا العالم تتراجع الخصوصيات الإنسانية إلى خصوصيات عملية وتنتفي القيود عند البشر، فكل ما في هذا العالم يمثل الإغراء الغريب الذي يدفع الشباب إلى ولوجه.

جوليان كان منتشيا بازدهار مملكته العظيمة، لكن هذا الدور لم يكن يعني لبروس ويليس الكثير، حيث لم يكن له، وهو الممثل البارع، الكثير من الأفعال المهمة، فجاء دوره مجتزأ ومحدودا، فاقه كثيرا دور رجل الشرطة والخصم اللدود روي والذي قام بدوره الممثل توماس جاين.

على صعيد الحدث البوليسي والمغامرات والملاحقات التي تقطع الأنفاس، فإنه لا يبدو رجل الشرطة روي منسجما مع تلك التكنولوجيا الغرائبية، حيث لاح منذ البداية ساخطا على تلك البقعة الشائنة رغم توفر الحماية الكاملة لها من السلطات، حتى أن رئيسه المباشر يكثر من تهديده وزجره كلما أكثر من زيارة المكان واتخذ المزيد من إجراءات التحرّي. وكان دور روي في هذا الفيلم أكثر براعة وجمالية من دور جوليان وهي مفارقة واضحة للعيان، هذا فضلا عن عيوب لا تخفى في بناء حبكة الفيلم.

الإضافات في الحبكة والتصعيد الدرامي باستحداث ثغرات جديدة في فكرة المدينة الحلم، لم تصل إلى التميز

أما في ما يتعلق بسير الدراما الفيلمية، فإن كاتبي السيناريو أندريه فابريزيو وجيرمي باسمور قد حاولا تصعيد عنصر الدراما، وذلك بقلب الأحداث رأسا على عقب، مع الإكثار من مشاهد إطلاق الرصاص وصور القتل.

كما أن عنصر التشويق يزداد شيئا فشيئا عندما تتمرّد الفتاة كيلي على مبرمجيها، وتمتلك قدرة خارقة على الفكاك من كرسي محو الذاكرة والتلقين الدماغي، ولكن عندما تقوم بذلك تختلط صور الماضي والخبرات الحقيقية التي يجري محوها تباعا واستبدالها بخبرات أخرى جديدة، ولهذا سيختلط العالم الواقعي بالخيالي وبالذكريات الماضية، وهذا العنصر استُخدم مونتاجيا ببراعة، لكن في كل مرة تنجو كيلي، فلا رصاصة واحدة ولا شظية تصيبها، رغم وجودها محاصرة وسط رصاص حراس جوليان.

بموازاة أحداث كيلي سيتمرّد عنصر آخر، منهيا بذلك مهمّة رجل الشرطة، إنه مصمم البرنامج الجيني والبيولوجي لإعادة تأهيل تلك الكائنات روبوتيا، وهو الذي كان قد صمم كيلي نفسها، ليهرب معها بعد ذلك، معلنا شقّ عصا الطاعة لقوانين مدينة الخطيئة.

والحقيقة أن كل هذه الإضافات في الحبكة والتصعيد للدراما من خلال استحداث ثغرات جديدة في فكرة المدينة الحلم، لم تصل إلى درجة عالية من التميّز، رغم كل ما حشده المخرج برايان ميللر من حلول إخراجية وتقنيات هائلة وأماكن متعددة وكشف أسرار ومفاجآت، هذا فضلا عن تنوّع ثريّ في المناظر واستخدام تقنيات التصوير، إلا أن عملية تحوّل كيلي وصديقتها منذ الوهلة الأولى بدت مصطنعة، لكن هذا لم يضعف من الدور البارع للفتاة الفاتنة كيلي ولرجل الشرطة روي اللذين كانا العلامة الأبرز في الفيلم.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر