الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

أسبانيا، بوديموس وإيران

ما يتخوف منه المراقبون في أسبانيا يتجاوز قضية الدعم المالي الإيراني للحزب الجديد، بل التداعيات الممكنة التي يمكن أن تترتب مستقبلا عن دخول بوديموس إلى الحكومة، واحتمال تأثيره في السياسة الخارجية لأسبانيا.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/02/22، العدد: 10193، ص(8)]

خلال بضع سنوات فقط استطاع حزب بوديموس الأسباني الجديد خلق المفاجأة مرتين، الأولى حلوله في المرتبة الثالثة في الانتخابات التي أجريت في ديسمبر الماضي، بعد الحزبين التقليديين في البلاد، الحزب الشعبي اليميني والحزب الاشتراكي اليساري، وذلك في عملية لم تكن متوقعة وإن كانت استطلاعات الرأي تمنحه موقعا متقدما. والمفاجأة الثانية تورطه المفترض في تلقي أموال من دولة إسلامية ينظر إليها الأوروبيون والأسبان بوصفها نموذجا للنظام السياسي القروسطي الذي يقف في الجانب المقابل لكل ما هو أوروبي أو غربي من القيم السياسية والثقافية، وهي إيران.

منذ أن كشف أحد المواقع الإخبارية الأسبانية، قبل أيام، خبرا يفيد بأن السلطات الأمنية الأسبانية تجري تحقيقا في تمويلات مشبوهة تلقاها زعيم الحزب، بابلو إغلسياس، ومؤيدوه، من النظام الإيراني، تتجاوز قيمتها المليوني دولار، ولا حديث في وسائل الإعلام في هذا البلد الأوروبي إلا عن هذه القضية التي تصفها بالفضيحة، كونها تعكس مفارقة مذهلة لا يستسيغها عقل الناخب الأسباني، وهي أن حزبا أوروبيا جديدا يتكلم لغة الحداثة وحقوق الإنسان، يمكن أن يرتبط بنظام يخاصمهما تماما.

وقد فتحت هذه القضية ملفا شائكا يتعلق بالتغلغل الإيراني في المجال السياسي والإعلامي بأسبانيا، بل وذهب البعض إلى حد القول إن حزب بوديموس يشكل رافعة من روافع هذا التغلغل. غير أن هناك من ينظر إلى المسألة من زاوية مغايرة، ويرى أن الحزب المذكور لم يتورط مع طهران إلا لأنه وجد الطريق مفروشا أمامه.

تعود بداية الحضور الإيراني في أسبانيا إلى عهد حكومة الاشتراكيين، التي كان يقودها خوسي لويس رودريغيث زباثيرو، والتي جاءت كردة فعل للشارع الأسباني ضد حكومة الحزب الشعبي التي حصلت في عهدها تفجيرات مدريد في شهر مارس من العام 2004. ولكي يدشّن الحزب الاشتراكي حقبة جديدة مع العالم الإسلامي والمهاجرين المسلمين داخل البلاد، قدم زباثيرو خلال الدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نفس السنة مقترحا حول “تحالف الحضارات” بين الغرب والإسلام، وتم تشكيل لجنة خاصة كان من ضمن أعضائها الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، الذي سبق له أن نادى بفكرة حوار الحضارات في نهاية التسعينات، ردا على نظرية صامويل هانتنغتون حول الصدام بين الحضارات؛ ثم جاءت زيارة خاتمي لمدريد عام 2005 لتطلق دينامية العلاقات الثنائية بين البلدين.

وقد تقاربت كل من إيران وأسبانيا خلال تلك الفترة على أكثر من مستوى، بالنظر إلى ظروف دولية فرضت ذلك التقارب وجعلته ممكنا وقتها، ربما عن طريق المصادفة. ففي السنة التالية تم فرض عقوبات قاسية على إيران من لدن الأمم المتحدة، بسبب الكشف عن مشروعها النووي السري القريب من مدينة قم المقدسة عند الشيعة عام 2006. وبالرغم من أن بلدان الاتحاد الأوروبي أيدت العقوبات، إلا أن أسبانيا، العضو في الاتحاد، رفضت تلك العقوبات، وعوّلت على إمكانية انتهاز الفرصة لجلب الاستثمارات الإيرانية، واستغلال عزلة طهران الدولية، تحت إلحاح الشركات الأسبانية التي رأت المناسبة سانحة لتوسيع مجالات الربح.

تزامن ذلك الانفتاح الأسباني على طهران مع تحولات جديدة في السياسة الدبلوماسية للحزب الاشتراكي الحاكم، الذي لم يكن مرتاحا للسياسة الأميركية، وعمل على سحب قواته العسكرية من العراق، وشرع في الابتعاد عن الحلف الأطلسي. فقد ربط علاقات مع نظامي بشار الأسد في سوريا وهوغو تشافيز في فنزويلا، وهما الحليفان القويان للنظام الإيراني، كما اتجه الحزب الاشتراكي في سياسته الخارجية ناحية أميركا اللاتينية، أملا في أن تصبح أسبانيا فاعلا سياسيا رئيسيا في القارة. وكانت إيران قد شرعت في التقارب مع بعض أنظمة القارة سنوات قبل ذلك، حيث ربطت علاقات دبلوماسية مع عدة بلدان من بينها فنزويلا وبوليفيا وكوبا ونيكاراغوا وكوبا؛ وتشير تقارير أسبانية إلى أن طهران فتحت خلال تلك الأعوام إحدى عشرة سفارة وبعثة دبلوماسية، وسبعة عشر مركزا ثقافيا لنشر الفكر الشيعي موزعة على مختلف بلدان أميركا اللاتينية، قبل أن يتم إغلاق عدد منها في ما بعد، على إثر الكشف عن مخططاتها المتمثلة في نشر التشيّع وسط المهاجرين المسلمين، واحتجاج الهيئات والجمعيات الإسلامية هناك.

حاولت إيران، بدورها، استثمار العلاقات مع أسبانيا وتحويلها إلى منصة إطلاق لتحقيق هدفين، الأول اختراق البلدان الأوروبية وتحدي قرار المقاطعة والعقوبات، والثاني التوسع في منطقة أميركا اللاتينية. وفي العام 2012 قررت إنشاء أول قناة فضائية ناطقة باللغة الأسبانية هي”أسبان تي في” انطلاقا من مدريد، لتكون منبرا للتواصل مع المجتمعات الناطقة بتلك اللغة، ووسيلة لتضييق دائرة العزلة المفروضة عليها دوليا.

وقد بدا أن طهران راهنت على تلك القناة بقوة، بوصفها سلاحا مؤثرا لها على الصعيد الدولي؛ ذلك أن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد هو من أعلن افتتاح القناة في 31 يناير 2012، عبر شريط فيديو مدته دقيقة و19 ثانية ظهر فيه شخصيا وهو يتحدث بالفارسية عن الهدف من القناة، ثم يختم كلامه بعبارات باللغة الأسبانية قال فيها “يحيا السلام، تحيا العدالة، تحيا أسبانيا، تحيا أميركا اللاتينية”.

شكلت القناة بداية التوسع الإيراني في أسبانيا، إذ أنشئت عدة شركات للإنتاج الإعلامي تحت أسماء مختلفة. غير أن توجهات القناة سرعان ما بدأت تزعج السلطات الأسبانية، خصوصا بعدما أخذت القناة الإيرانية تعزف على وتر النزوعات الانفصالية لإقليم الباسك، الذي يشكل مصدر قلق لمدريد. وفي 20 ديسمبر 2012 قررت أسبانيا منع القناة على أقمار “هسباسات”، لأن اسم رئيس “هيئة الإذاعة والتلفزيون” الإيرانية عزة الله ظرغامي، يوجد على لائحة الأشخاص غير المرغوب فيهم، التي وضعها الاتحاد الأوروبي.

خلال تلك الفترة انتقل زعيم حزب بوديموس للعمل في القناة الإيرانية، بعد أن كان صحافيا مغمورا في قناة محلية. وقد حصل التقارب بين الاثنين بسبب الالتقاء حول مشروع تشافيز، الذي كان إغلسياس يرى فيه نموذجه الخاص بسياساته المعادية للولايات المتحدة. وبدأ إغلسياس في بث برنامجه الجديد “فورت أباتشي”، الذي كان يركز بوجه خاص على السياسة الأميركية في أميركا اللاتينية وانتقاد السياسة الأسبانية تجاه واشنطن، وهما الموضوعان الأثيران لدى النظام الإيراني. ولكي يظهر إغلسياس أنه أكثر ولاء لطهران، فقد شرع في مهاجمة القصر في أسبانيا بسبب علاقاته مع النظام السعودي، وهو ما تود إيران أن توظفه لفائدتها.

غير أن ما يتخوف منه المراقبون في أسبانيا يتجاوز قضية الدعم المالي الإيراني للحزب الجديد، الذي يعتبرونه دعما مشروطا، بل التداعيات الممكنة التي يمكن أن تترتب مستقبلا عن دخول حزب بوديموس إلى الحكومة، واحتمال تأثيره في السياسة الخارجية لأسبانيا، بحيث تصبح هذه السياسة متجهة بشكل أكبر ناحية إيران وحلفائها في المنطقة.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر