السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

دولة القضاة.. ثلاثة مشاهد من أرض النفاق

تحكم المحكمة بقانون بشري، انطلاقا من اجتهاد بشري، وليس في حكم القاضي عنوان ولا حقيقة، وكم من الأحكام القضائية ثبت فسادها بعد حين، وأعيد الاعتبار إلى الضحايا.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/02/23، العدد: 10194، ص(9)]

لا أعرف متى أطلق مصطلح “المعلوم من الدين بالضرورة”، لإرهاب من يجرؤ على مناقشة قضية تتعلق بفقه بشري، يتقصى السياق التاريخي لظاهرة بشرية ألبست ثوبا دينيا. هذا المصطلح ينافس مصطلحا آخر، هو “الحكم عنوان الحقيقة”، لإرهاب من يفكر في مناقشة حكم قضائي، ولهذا المصطلح الأخير “المقدس” بنود تفسيرية تحذر من انتقاد أي حكم أو مناقشته، لتتحول أحكام القضاء إلى أيقونات تفسر نفسها بنفسها، ويحرُم الاقتراب منها. تحكم المحكمة بقانون بشري، انطلاقا من اجتهاد بشري، وليس في حكم القاضي عنوان ولا حقيقة، وكم من الأحكام القضائية ثبت فسادها بعد حين، وأعيد الاعتبار إلى الضحايا، منذ العصور الوسطى في أوروبا إلى الآن.

بمقولة “الحكم عنوان الحقيقة” يُمنح القضاة منزلة من دون الله الذي لا يعاقب من ينكر وجوده، مؤجلا أمره إلى الآخرة. وتتناقض المقولة فعليا مع درجات التقاضي التالية؛ فقد تعيد محكمة النقض قضية صدر فيها حكم، إلى هيئة قضائية أخرى، تنظرها من جديد، وتقضي بحكم يلغي حكما سابقا رأى قاضيه أنه “عنوان الحقيقة”. وبإتاحة الطعن على حكم قضائي لا يصبح عنوانا لأي حقيقة. كما يمكن رد القاضي نفسه، فتحال القضية إلى قاض ليس بينه وبين أطراف القضية شيء. ليس القضاة ملائكة، ومن الإهانة ترسيخ خرافة أنهم طبقة اجتماعية أسمى، هكذا قال وزير العدل المصري السابق محفوظ صابر فخسر منصبه في مايو 2015، وقالها أيضا القاضي أحمد الزند فخلفه في وزارة العدل. وفي مصر الآن رجل فكاهي لا يفتح فمه بكلام مع أي مخلوق في برنامج تلفزيوني إلا ناطقا بسباب للدين أو الأم أو الأب. هذا الرجل الفكاهي يزعم أنه كان قاضيا، ونحن نصدق أنه قاض سابق؛ لأن الثقات يؤكدون هذه “الحقيقة” التي تعني أن هذه “الطبقة” تحتاج، من وقت إلى آخر، إلى هزات قوية لاستبعاد الشوائب والحماقات.

ومن المهم أن يطمئن المواطن حامل لقب “متهم” إلى نزاهة القاضي، والنزاهة لا تعني نظافة اليد، وإنما تبدأ بالكفاءة، ولكن متابعة أحكام قضائية تصدر في مصر، أو يؤجل صدورها في الآونة الأخيرة، لا تدعو إلى مثل هذا الاطمئنان. تكفي ابتسامة آية حجازي التي لم تمنع القضبان بريقها لإدانة المشهد المصري كله، بما في ذلك كفاءة القاضي.

في أيام البراءة، ثورة 25 يناير 2011 حلم الشابان محمد حسانين وآية حجازي بمصر الجديدة، دولة للعدل والحرية. أصبح الحبيبان زوجين، وأسسا جمعية “بلادي” الخيرية لرعاية أطفال لا مأوى لهم، ممن يطلق عليهم تجاوزا “أطفال الشوارع”. لم تنتظر الجمعية انتهاء الإجراءات البيروقراطية، فبدأت رسالتها برعاية 20 طفلا، انتشلتهم من قسوة الشارع، ضمن برنامج لتعليمهم وترقيتهم إنسانيا واجتماعيا، فألقي القبض عليهما في مايو 2014، وأعلنت أجهزة الأمن “ضبط شبكة تديرها سيدة أميركية الجنسية وزوجها المصري، لإيواء أطفال الشوارع داخل جمعية غير مشهرة بميدان التحرير، بغرض استغلالهم في التظاهرات المناهضة للنظام”. انتقلت التهمة من الشرطة إلى النيابة التي تواصل حبسهما احتياطيا لمدة زادت على 20 شهرا. فهل تعجز المحكمة، طوال هذه الفترة، عن جمع أدلة اتهام توجهها إلى آية حجازي وزوجها، فأين الكفاءة في دولة وكلاء النائب العام والقضاة؟ فقه الآدمية يقدم على حفظ القوانين، وخصوصا الجائرة، ويسمح هذا الفقه الإنساني للقاضي بالإفراج عن “متهم” لم يثبت عليه دليل إدانة، ولا يشكل إطلاق سراحه خطورة على أحد. ولكن عمى البصيرة لا علاج له، ربما ليكتمل المشهد في عيد الحب، حين أهدى الزوج “المعتقل” إلى زوجته “المعتقلة” آية حجازي باقة ورد، خلف القضبان. صورة تلخص جانبا من جحيم الفشل المصري.

لو كان قاضي محكمة جنايات الجيزة أبا لمحمود محمد، “معتقل التيشيرت” منذ يناير 2014، لقضى بحكم آدمي، بالإفراج عن صبي صار شابا في المعتقل. هل كان قميص محمود الذي طبع عليه “وطن بلا تعذيب” يهدد أمن مصر؟ لو كان ذلك كذلك فمصر “لا دولة” فاشلة، تعجز فيها الشرطة والنيابة عن تقديم دليل يدين الصبي، حتى الدليل الكاذب نحقق فيه فشلا مضحكا. ولو تمتعت المحكمة بشيء من الكفاءة لأغلقت ملف القضية، لتحفظ للصبي مستقبله.

لا يوصف كيان بشري – بوليسي تزلزله جملة “وطن بلا تعذيب” بأنه دولة، ومن الطبيعي أن تسمح قوانينه بمعاقبة الباحث إسلام البحيري، الذي حكم عليه في ديسمبر 2015 بحبسه عاما، بتهمة اسمها ازدراء الأديان. وبالاتهام نفسه حكم قاض بحبس الكاتبة فاطمة ناعوت ثلاث سنوات، وتغريمها 20 ألف جنيه، في يناير 2016.

في هذا المسلسل، لم يكن لشهر فبراير الجاري أن ينجو من مثل هذا الحكم العبثي، فحكم قاض، السبت الماضي (20 فبراير)، بحبس الكاتب أحمد ناجي عامين، بتهمة خدش الحياء العام، في فصل من رواية “استخدام الحياة” نشرته صحيفة “أخبار الأدب”، في 3 أغسطس 2014. لم يكن النشر سببا في الهياج الجنسي لقارئ، ولا أدى إلى ارتداد أحد، ولكن وكيل النائب العام فرح بدعوى حسبة من مواطن ادعى أنه قرأ الفصل المنشور، وأصيب باضطراب “في ضربات القلب، وإعياء شديد وانخفاض حاد في الضغط”. ولم يسأله: من أين استمد الصبر على قراءة صفحتين كاملتين من الصحيفة؟ ولماذا لم يغض البصر بالكف عن القراءة؟ ثم ينصحه بعلاج المازوشية، وأحال الكاتب إلى المحكمة بتهمة “نشر وكتابة مقال جنسي خادش للحياء.. ينشر سموم قلمه برواية أو مقال حتى وقعت تحت أيدي القاصي قبل الداني والقاصر والبالغ، فأضحى كالذباب لا يرى إلا القاذورات.. حتى عمت الفوضى وانتشرت النار في الهشيم”. كلام إنشائي بليد، يؤكد عداء رئيس النيابة للقراءة، وحقده على المبدعين.

وعز على النيابة أن يحكم قاض ببراءة أحمد ناجي، الشهر الماضي، فطعنت على البراءة، ليصدر حكم الاستئناف بحبس الكاتب عامين، بتهمة خدش الحياء، وكأن القاضي يعيش بمعزل صحي بالرعاية الفائقة في مستشفى، ولم يسمع زميله السابق، الفكاهي الذي يسمم أجواء مصر بفاحش من القول، من دون أن يجرؤ أحد على محاسبته، كأنه كاسر عيد الدولة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر