الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

فضاء افتراضي

الفضاء الافتراضي سمح لأصحاب الفكر المتخلف والمتطرف وممثلي ثقافة النقل وكراهية الآخر، أن يستغلوا العاطفة الدينية والجهل عند شرائح من المجتمع، لكي يسوّقوا خطابهم الديني المتطرّف.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/02/23، العدد: 10194، ص(15)]

التطور الواسع الذي بلغته وسائل التواصل الاجتماعي في العقود القليلة الماضية، شكل نقلة نوعية في حياة المجتمعات الحديثة، على صعيد التواصل والتعارف وتدفق المعلومات والأخبار، بحيث أصبح الإنسان في أي مكان قادرا على متابعة أيّ حدث في العالم لحظة وقوعه. لكن هذا الإنجاز الكبير لعقل الإنسان، كانت له كأيّ إنجاز بشري آخر جوانب سلبية أيضا، نجمت عن طبيعة استخدامه وتوظيفاته، سواء من قبل الفرد، أو الجماعات.

لقد وفر هذا الإنجاز العظيم ظهور العشرات من المدونات الأدبية والفكرية، التي أتاحت أمام الكاتب أو الشاعر والمفكر فرصة الوصول إلى الملايين من القراء، بعد أن كانت دور النشر تحتكر هذه المهمة، وتتحكم فيها دوائر الرقابة العربية. كما فتحت المجال واسعا لقيام حوار واسع بين الكتاب والأدباء من جهة، وبينهم وبين جمهور واسع من المهتمين بقضايا الأدب والفكر، من جهة ثانية.

ومن الفضائل الأخرى لهذا الإنجاز أنه سمح للقارئ وللمهتم بالوصول إلى الآلاف من الكتب وقراءتها، من خلال المواقع التي تقدم هذه الخدمة المجانية، ما فتح مجالا واسعا للمعرفة والقراءة، ووفر للدارسين والكتاب بوابات للوصول إلى الكتاب الذي يريدونه، دون انتظار إذن الرقيب، ودون أن تشكل الظروف المادية للباحث أو للقارئ عائقا أمام حصوله على هذا الكتاب أو ذاك.

الكتّاب والشعراء الشباب استفادوا كثيرا من هذا الواقع الجديد، حيث أصبحوا قادرين على نشر أعمالهم والوصول إلى القارئ، دون انتظار موافقة المسؤول الثقافي أو المؤسسات الثقافية أو دور النشر التي تهتم بالأسماء المعروفة. لكن هذه الفرصة التي أتاحها الفضاء المفتوح للكتّاب الناشئين، سمحت للعشرات من الأسماء من مدّعي الكتابة والشعر تقديم أنفسهم بوصفهم كتّابا وشعراء وروائيين، في حين أن أغلب ما ينشرونه من كتابات ونصوص، تجري سرقته دون أيّ وازع أخلاقي أو أدبي.

كذلك استغل البعض هذا الفضاء للترويج لأنفسهم ولأعمالهم، فلم يتركوا موقعا أو وسيلة إلّا وعملوا على نشر أخبارهم فيها، من خلال لعب دور المروّج لهؤلاء الكتّاب والشعراء المسؤولين، عن إدارة الأقسام أو المواقع والمجلات الثقافية، على قاعدة المنفعة المتبادلة، حتى أصبحوا ظاهرة تلفت الأنظار إليها.

لكن الأخطر في المسألة أن هذا الفضاء سمح لأصحاب الفكر المتخلف والمتطرف وممثلي ثقافة النقل وكراهية الآخر، أن يستغلوا العاطفة الدينية والجهل عند شرائح من المجتمع، لكي يسوّقوا خطابهم الديني المتطرّف، مستخدمين إمّا الكاريزما الشخصية والقدرة على التمثيل والتلاعب بمشاعر مستمعيهم، وإمّا ثقافة الرعب والوعيد وازدراء الحياة، وتسفيه كل العلوم الإنسانية أمام علومهم القائمة على النقل واغتيال العقل.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر