الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

القراءة للجميع هههههههههههه

هذا زمن القراءة والكتابة على نطاق واسع وطيلة اليوم لكنه زمن قراءة عبارات بليغة خالدة مثل “مايا راحت للحلاقة قالت تعمل نيو لوك. لول. هههههههههههههههههه”.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/02/23، العدد: 10194، ص(24)]

الإشاعة المغرضة المنتشرة هذه الأيام تقول إن الجيل الجديد لا يقرأ ولا يفتح كتابا. هذا خلط مغرض. القراءة شيء وفتح الكتاب شيء آخر. الناس تقرأ كثيرا هذه الأيام دون أن تفتح كتابا. تقرأ على شاشة الكمبيوتر والهواتف الذكية.

بلغ الأمر أن ضيفا يجالسك على مائدة الطعام يضع هاتفه الذكي على الطاولة أول ما يجلس، دون خجل. يتشاغل عن المحادثة بالتطلع إلى شاشة الهاتف ولن يعدم شيئا يقرأه بين حسوات الشوربة وملاعق الرز. بل قد تصل إليه صور وفيديوهات وهو يلوك اللحم. عنده بريد كامل يقرأه وهو في حضرة مضيفه على نفس الطاولة والطعام مفروش عليها.

التنازل الوحيد الذي يقدمه صاحب الهاتف الذكي وهو في مجلس الضيف، هو أن يطفئ الرنين ويحوله إلى أزيز مكتوم، ضرب من الذبذبات الكريهة يرقص لها هاتفه على الطاولة، لكن المطالعة لا تتوقف. هكذا هو الحال في المقهى وفي المواصلات العامة ولدى لقاء العشاق.

إذن القراءة لا تنحسر بل تزداد. ولكن مادتها تتغير. الذين يقرأون كثيرا عبر الفيسبوك والإنستغرام والفيبر والواتساب، مدمنو المطالعة هذه، لايقرأون جملا خالدة ونتاج عقول هائلة. لا يقرأون الجاحظ وتولستوي ونجيب محفوظ. هم يقرأون جملا تافهة يكتبها أصدقاؤهم. يطالعون عبارات من قبيل “أنا في التواليت” مشفوعة بحروف هاء متصلة تشكل إيعازا بالضحك السخيف.

يعني يقرأون عبارة مهمة ومطلوبة مثل “أنا في التواليت هههههههههههههه” أو خبرا لا بد أن تسمعه أولا بأول يقول “أنا في الدكان وما فيه كرتونة عصير برتقال ههههههههههههههه”. وأحيانا تصل الهاءات المتصلة ثلاثة أسطر. ومن لا تعجبه الهاءات هناك دائما هذه الكلمة المستحدثة خصيصا لمرافقة هذا النوع من الهراء وهي “لول”.

هذه القراءات لا تتطلب مطالعة متأنية. اللهوجة أكثر من كافية لاستيعاب ما قيل. عندما تقرأ لتولستوي تدرك منذ اللحظة الأولى أن عليك أن تتأنى وتتدبر ولا تفوتك حتى الفاصلة والنقطة وحرف الجر. فأنت إزاء إنسان عظيم وعقل هائل كل ما يصدر عنه يستحق الوقوف عنده وتأمله، يعني ليس كتابة سمير أو ليث أو روان وهاءاتهم المتصلة التي تنبئك أين هم جالسون وماذا يصنعون الآن.

لا يعنيني طبعا أن يقرأ الناس رسالة ليث أو روان بعجالة أم بتأمل فهي لا تستحق القراءة أصلا. الذي يعنيني أن اللهوجة التي تمليها المادة المقروءة لن تقف عند هذا الحد. يصير فعل القراءة نفسه مستعجلا ولا يقرأ الكلمات حقا بل ينظر إليها ويدرك حافاتها بالانطباع السريع.

عندما أكاتب ذوي الهواتف الحمولة أكتشف أنهم يقرأون ولا يفهمون. يعني حتى لو أعطيتهم كتابا لجون رسكن أو جورج أورويل سيقرأونه دون تدبر ويتوقعون أن يفهموه، بل إنهم متأكدون أنهم استوعبوه.

هذا زمن القراءة والكتابة على نطاق واسع وطيلة اليوم. لكنه زمن قراءة عبارات بليغة خالدة مثل “مايا راحت للحلاقة قالت تعمل نيو لوك. لول. هههههههههههههههههه”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر