السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

'وإن طال السـفر'

كان يحاول أن يعيد زراعة عمره فيمدّ جذوره في غير تربته ويشرب من غير مائه ويشمّ سوى هواه.. فأحبَّ الأماكن تارة وكرهها أخرى.. وأحسّ بحيادية مشاعره إزاءها تارة ثالثة.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/02/24، العدد: 10195، ص(21)]

عاش في مدينته التي ولد وكبر فيها حتى أجبرته الظروف على مغادرتها بعد ثلاثين حولا وهو لا يروم تخليا عن يقينه بالعودة إليها.. مرّ مرور الكرام بالكثير من المدن وعاش في أربع منها تباعا حتى استقر به المطاف أخيرا في إحدى دول الغرب البعيدة عن أهله وعاداته ومهبط أحلامه..

سافر كثيراً.. تعلم الحِلّ والترحال.. وخبـِر قيمة الاستقرار ومعنى السكن إلى المكان.. فجعل من أبيات محمود درويش شعارا يتـّكئ عليه كلما عصفتْ بأيامه رياح التغيير “ونزرع حيث أقمـْنا نباتاً سريعَ النموِّ.. ونحصد حيث أقمنا قتيلا.. نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا..”

كانت تلك الأبيات معينا له في بدايات صدمته بالانسلاخ عن وطنه الأول وبيته الأول وحبه الأول وبراءة انتمائه الأولى.. قاوم بها لسنوات لم يعد يستطيع إحصاءها إحساسه الدائم بالغربة والضياع.. كان يحاول أن يعيد زراعة عمره فيمدّ جذوره في غير تربته ويشرب من غير مائه ويشمّ سوى هواه.. فأحبَّ الأماكن تارة وكرهها أخرى وأحسّ بحيادية مشاعره إزاءها تارة ثالثة.. حتى صار يرعى بالتدريج مفاهيمه الخاصة إزاء ثنائيات الوطن والمنفى.. الانتماء والاغتراب.. الإحساس بالحميمية والإحساس بالغربة.. التعوّد والنفور.. الوجود في المكان والغياب عنه جسدا أو روحا..

أدرك بعد تجارب وأهوال أن لكل مدينة على وجه الكرة الأرضية رائحة وعبقا خاصا.. مهما صغرت أو كبرت ومهما اقتربت أو بعدت عن منطقة تقبـّله واستيعابه.. ولكل مدينة ذكريات تطبع في الذهن بصمتها التي تميزها عن سواها بالحنين أو بالنسيان..

وبمرور المدن والوقت أدرك أيضا أنه “لا بد من وطن وإن طال السفر”.. فبدأ السير بخطوات وئيدة على طريق التصوف والحمكة.. ليضمد جرح الوطن-الهاجس داخل روحه.. وأسلم قلبه أخيرا لفكرة أن لا مكان في العالم لا يمكن أن يكون وطنا.. وسكن إلى عبارة بوذا “وطنك نفسك”.. تلك العبارة التي وشوشته بها إحدى زميلاته في العمل.. ففتحت له باب القراءة والتعمق في فلسفات الوجود.. وراح يحاول جاهداً أن يبني بها وطنه الخاص أينما حلّ وكيفما شاءت مقدرات أيامه..

وبعد أن استبد به إحساس “الخيمة” في سنوات هجرته الأولى.. خلص لاحقاً إلى تلك الثلاثية الدامغة التي غدت دعائم بيته الجديد “النفس.. البشر.. المكان”.. واستطاع بهذه الثلاثية أن يؤسس فكرة الوطن البديل وأن يسكن إليها ويعيش حياته كما تشاء له الحياة..

فقد أيقن في قرارة نفسه أن تلك الثلاثية هي ذاتها التي رسمت فكرة الوطن الأم في داخله.. ذلك الوطن الذي أصبح، كلما زاد ابتعاده عنه، رمزا متخيَّـلا يوتوبيائيا تزوّقه الذكريات والحنين والبشر وأحداث الماضي.. ذلك الوطن الذي سيبقى هاجساً أو غصة لن تفارقه حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة.. لن يعود هو ذاته.. حتى إذا عاد إليه فإنه غالباً سيجد صدمته به قد سبقت خطوات قدميه على أرضه وشوارعه وفي بيوت..

وطنك نفسك وطنك ناسك وثالثا تأتي فكرة المكان.. بهذا التحايل تعلّم أن يهدهد فكرة الوطن في رأسه.. لينام بهدوء وسكينة فلا يميته هاجس العودة..

صباحكم وطن..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر