الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

سلاح بلاستيكي

أصل الخراب في بلاد العرب هو أن الحقيقة يتم تكذيبها، أما الأكاذيب فمصدّقوها كثر.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/02/24، العدد: 10195، ص(24)]

لا حديث في تونس إلا عن شحنة سلاح قيل إن مستثمرا يحمل الجنسية البلجيكية قد أدخلها إلى البلاد خفية، وإن الجمارك تفطنت للأمر فصنعت منه حدثا تاريخيا قلّ نظيره، وخرج للناس من يتحدث باسمها ليقول إن عيونها كانت تراقب الشحنة منذ وصولها ميناء جنوة ليتم تحميلها إلى تونس.

إلى حد الآن يبدو الأمر جيدا وقد يكون مشجعا لذوي النوايا الطيبة، خصوصا وأن الحدث يمكن أن يحوّل دول الاتحاد الأوروبي قاطبة إلى قفص الاتهام كون صاحب الشحنة بلجيكيا، ومكان انطلاقها نحو تونس إيطاليا، وكون تونس تواجه الإرهاب، وجارتها ليبيا تنتظر تدخلا عسكريا دوليا ضد داعش، وجماعة الإخوان لا تزال تبحث عمن يصدّق أن تنظيم داعش تم تصنيعه ليعرقل تقدمها نحو وضع يدها على الحكم في بلدان الخريف العربي، والإعلام يبحث عن الإثارة، والشارع ميال إلى تضخيم المسائل بما يرضي رغباته المكبوتة ضد الحكام والحكومات.

عندما كان الجميع يتحدث عن البلجيكي وشحنة السلاح وتصدير خطط الإرهاب والفوضى من شمال المتوسط إلى جنوبه، علمت من أحد الأصدقاء أن هناك ورطة حقيقية ستقع فيها سلطات البلاد بعد أن تأكد لها أن السلاح الذي قيل إنه حربي ليس أكثر من سلاح هوائي والرصاص فشنك والموضوع أخذ أكثر من حجمه.

وبعد ثلاثة أيام على سماعي تلك المعطيات، تم إطلاق سراح المستثمر البلجيكي فعلا، ولكن هات من يمكن أن يصدق الأمر، فالخبر الأول انتشر في كل مكان وسارت به الركبان، هناك من أوّله تأويلات لا تتعلق بتونس فقط وإنما بجيرانها، حتى قيل إن داعش متحالف مع رجال أعمال وجهات مخابراتية غربية.

لم تجد السلطات من يصدق أن السلاح كان مجرد ألعاب، وانطلقت الحملات لتشي بأن الحكومة خافت فتراجعت عن اتهام الرجل المستثمر البلجيكي، وانطلق الشعراء في كتابة القصائد الساخرة، والمحللون في تحليل ظاهرة الخضوع لسلطة الإرهاب المستورد، وبات لا حديث إلا عن السلاح الحربي الذي تحول إلى رشاشات من بلاستيك ورصاص من ورق السيلوفان.

هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الخبر إذا خرج لن يعود، والناس لا يصدقون إلا ما يودون تصديقه، وكل ما هو ضد السلطة يجد تصديقا لدى العامة، ولذلك فإن أصل الخراب في بلاد العرب هو أن الحقيقة يتم تكذيبها، أما الأكاذيب فمصدّقوها كثر.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر