الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

مساحيق الكتابة

مذكرات رنا قباني عن تجربة ارتباطها بالشاعر الشهير بدت لي منطوية على تفاصيل حافلة بالصور المصطنعة، التي لا تليق بالثورة الفلسطينية ولا بآل قباني، ولا بالشاعر المناضل.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/02/24، العدد: 10195، ص(15)]

ترتبط السير عادة برغبة الاستعادة، والوجل من المحو والنسيان، بقدر ما تعبر عن نزوع لاعج لمراجعة ما مضى من محطات العمر، واستذكار ما تلاشى من صلات مع الأهل والخلان، من قضى منهم أو نأت به الأصقاع… لكن في أحايين كثيرة تتحول السير والمذكرات إلى ملاذ لتحقيق ما لم يتسنّ إنجازه، عبر خيال مختلق خلّاق، وذلك بإضافة وقائع، واستكمال مسارات، وتلميع صفحات، واستنبات سلوكات وأفعال ناقصة، كان من المفترض أن توجد، لكن سوء الحظ حال دون تحققها.

لهذا يمكن أن تكون السير أحيانا بمثابة الذاكرة المشتهاة، حيث ينوب المجاز عن الامتناع، والتخييل عن القدر. وبناء عليه يبدو مستساغا، عزيزي القارئ، أن يحدثنا محمد شكري مثلا في خبزه الحافي، أو زمن أخطائه، عن أميته الوهمية التي امتدت حتى مطلع شبابه، لضرورة تشكيل صورة الكاتب الاستثنائي الذي تحدّى الهامش الاجتماعي ببطولة نادرة، كما لا يمكنك أن تستغرب إمعان آذر نفيسي، الكاتبة الإيرانية المناهضة لنظام الملالي، في ابتداع مواجهات يومية مع المعارف من ذوي الأحقاد الطبقية، والزملاء في هيئة التدريس بجامعة طهران ممن استقطبتهم الثورة، ومع الطلبة المتطرفين، والتجار المتواطئين مع الغوغاء، ومع بائعي الألبسة النسائية، وأصحاب المكتبات الأدبية كارهي أدب نابوكوف…

ما دام الأمر ينتهي إلى تمثيل الخديعة الكبرى التي نصبها آية الله الخميني لشعب بكامله باسم الثورة الإسلامية. ولا بأس في النهاية أن تضحى السيرة مدخلا لمراجعة ما مضى وتأمل مساراته، فالسرد هو الآلية الأمثل للاغتياب، وتصفية الحساب جماليا، عبر استحضار الحدّ الأدنى من الوقائع وإهالة جرعات من القيم التعبيرية المضافة.

استحضرت كل هذه الأفكار حين أعدت، قبل أيام، قراءة مقالات الباحثة والناقدة السورية رنا قباني عن الشاعر العربي الكبير محمود درويش (زوجها السابق)، وقد سبق لي أن تعرفت على رنا قباني من خلال كتابها المتحفي “أساطير أوروبا عن الشرق” الذي أدرّسه لطلابي، كما عرفتها من خلال مقالاتها اللامعة في نقد نزعات التمركز الأوروبي، لكن مذكراتها عن تجربة ارتباطها بالشاعر الشهير بدت لي منطوية على تفاصيل حافلة بالصور المصطنعة، التي لا تليق بالثورة الفلسطينية ولا بآل قباني، ولا بالشاعر المناضل، ليس أقلها تلك الصورة الكاريكاتيرية التي مثلت محمود درويش حاملا الهاتف وهو يهددها بالطلاق، وأصدقاؤه يحمسونه كأيّ فحل بدوي…

بيد أن ما أربك استرسالي أكثر هو تلك المساحيق الكثيفة المضافة إلى الأصل، والتي لا يمكن بحال من الأحوال أن تصدق: نحن لا يمكن أن نستسيغ مثلا أن الكاتبة بعد سماعها لجريمة اختطاف واغتيال، قامت بها قوات فلسطينية، تقيّأت على الرصيف، هي صورة مقبولة في السينما أو الرواية، لكنها تبدو في سياق المذكرات والحكي الذاتي مجرد كليشيه كاذب.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

شرف الدين ماجدولين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر