الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

أوروبا تتجه إلى اليمين

هذه الموجة تكشف طبيعة نخبة من المجتمعات الأوروبية تريد معالجة التطرف بتطرف مقابل أشد فتكا منه، وهي عملية غير منتجة، لن تؤدي إلا لمزيد من التطرف بشتى أشكاله.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/02/25، العدد: 10196، ص(8)]

تتجه أوروبا بخطى حثيثة نحو اليمين المتطرف، حيث لم يعد سرا أن هناك مخاوف داخل أوساط المهاجرين العرب والمسلمين، وبين صفوف النخبة السياسية الليبرالية واليسارية، من تنامي المد اليميني المتزايد.

يقف وراء هذا التوسع لأحزاب اليمين المتطرف عاملان اثنان، تستغلهما هذه الأحزاب من أجل طرح نفسها على الرأي العام الأوروبي من موقع الجرأة على اختيار أقصى الحلول للأزمات. يتمثل العامل الأول في انتشار التطرف الديني ذي اللبوس الإسلامي، والعمليات التي استهدفت بعض البلدان الأوروبية، مما حشد رأيا عاما غاضبا يريد اليمين المتطرف توجيهه لفائدته؛ إلى جانب أن أوروبا باتت من خلال الخطاب المتطرف للجماعات الإسلامية المسلحة هدفا مقصودا.

أما العامل الثاني فيتمثل في قوافل المهاجرين الذين يتدفقون على البلدان الأوروبية ويطرقون أبوابها، هاربين من جحيم الموت بسبب الوضع في سوريا. ويصور اليمين المتطرف هؤلاء المهاجرين بوصفهم غزاة يريدون اجتياح أوروبا، ويهددون من ثمة نمط عيش الأوروبيين والقيم السائدة فيها.

وفي فنلندا شكل متطرفون جماعة أطلقوا عليها تسمية”جنود أودين”، نسبة إلى أحد الآلهة المحلية الذي يرمز إلى الحماسة والغضب، يجوبون الشوارع بدعوى حماية المواطنين الفنلنديين من خطر المهاجرين و”الغزاة المسلمين”، بحسب شعاراتهم؛ ولقيت تلك المبادرة تأييدا من حزب يميني متطرف مشارك في الحكومة ويتولى حقيبة الخارجية.

في الدانمارك لم يجد الليبراليون مخرجا لتشكيل حكومتهم إلا بالتحالف مع الحزب الشعبي اليميني المتطرف بسبب عدم توفرهم على المقاعد الكافية لتشكيل الحكومة، وهو ما دفعهم إلى التخلي عن ليبراليتهم وتبني خيارات اليمين عندما طالبوا ألمانيا بتشديد المراقبة على المهاجرين مسايرة لحلفائهم.

وفي سويسرا، حيث تمكن حزب الديمقراطيين السويسريين اليميني المتطرف من دخول البرلمان لأول مرة عام 2010، ثم أصبح في انتخابات 2014 القوة السياسية الثالثة، سرعان ما أصبحت استطلاعات الرأي اليوم ترشحه ليحتل المرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة.

المشكلة الأكبر أن أحزاب اليمين المتطرف، التي تؤجج حمى الاعتداءات ضد المهاجرين ونزعة الإسلاموفوبيا، لم تعد تنتج خطابا وطنيا محليا كما كان الأمر في الماضي، بل أصبحت تتعامل مع كل بلد أوروبي باعتباره جزءا من مفهوم ثقافي وديني وحضاري شامل هو أوروبا، بصرف النظر عن البلد التي هي فيه. ويكمن الخطر في أن تتحول هذه النزعة لكي تصبح دعوة إلى قلعة أوروبية محصّنة في وجه غير الأوروبيين، وهو ما يتخوف منه الكثيرون ممن يعربون عن خشيتهم من عودة شبح الفاشية والشوفينية الذي عم سماء أوروبا في القرن الماضي.

ففي يناير الماضي تمكن زعماء هذه الأحزاب، بشكل غير مسبوق، من إنشاء أول تحالف لهم داخل البرلمان الأوروبي، خلال اجتماع عقدوه في ميلان بإيطاليا، يحمل اسم “أوروبا للأمم والحريات”، وتتزعمه رئيسة الحزب اليميني الفرنسي المتطرف مارين لوبان. ويتيح هذا التحالف لتلك الهيئات السياسية الحصول على دعم مالي أكبر وحصة أوسع في المناقشات داخل البرلمان الأوروبي، مما سيعطيهم فرصا أعلى لترويج أفكارهم.

ويطلق على هذه الموجة المتنامية اليوم في أوروبا تسمية الشعبوية، وهي تسمية تنطلق من كون هذه الأحزاب لا تحبذ صياغة خطاب سياسي عقلاني، يخاطب المواطن الفرد الذي هو أساس المجتمعات الديمقراطية القائمة على الانتخابات، بل تتجه مباشرة إلى المجموع بوصفه قطيعا يمكن تحريكه بشكل جماعي عبر خطاب يقوم على التهييج. يعكس هذا الصعود لخطاب العزلة والكراهية انقلابا خطيرا في الثقافة الأوروبية الحديثة التي ولدت ولادة عسيرة من العراك بين التوحش والعقل، الاستبداد والحرية. هذه الموجة تكشف طبيعة نخبة من المجتمعات الأوروبية تريد معالجة التطرف بتطرف مقابل أشد فتكا منه، وهي عملية غير منتجة لن تؤدي إلا لمزيد من التطرف بشتى أشكاله.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر