الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

عمر فاخوري يجعل من التجهيز فنا تشكيليا رافضا للإهمال

  • يقدم الفنان التشكيلي اللبناني عمر فاخوري لزائري معرضه في صالة “أجيال” للفنون التشكيلية البيروتية لوحات بأحجام كبيرة، مشغولة بمادة الأكريليك. أعمال لا تصور عوالم سحرية ولا مآسي واقعية، بل تضع الزائر وجها لوجه دون أي لبس أو إيحاءات أمام واقع فجّ، برودته من برودة رخام غليظ، لا يلبث الشعب اللبناني يرزح تحته، ويشارك به في الآن ذاته إما في البناء والتشييد أو في صقل ملامحه.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/02/25، العدد: 10196، ص(16)]

ألوان بهتت حدتها بفعل الزمن

بيروت- مجموعة لوحات تصور قاعدات حجرية أو إسمنتية مختلفة الأشكال والضخامة، صُنعت لكي تحمل في الساحات العامة أنصابا تذكارية لرجال ما. رجال سياسة أو اقتصاد شاركوا في تشكيل وجه لبنان الحديث، ولكن لا يزال معظم اللبنانيين يختلفون في ما بينهم حول عظمتهم أو حول مدى تجريمهم أو احتقارهم لهم، لذلك غيّبهم الفنان التشكيلي اللبناني عمر فاخوري في معرضه الجديد في صالة “أجيال” للفنون التشكيلية البيروتية.

مهزلة وطنية لا لبس فيها يصورها الفنان عمر فاخوري عبر “نزع” تشكيلي للتماثيل التذكارية التي يفترض أن تعتلي القواعد الحجرية تلك. في لوحاته صارت مكعبات وأعمدة الإسمنت هي المشهد، وهي العروة الوسطى، وهي مرتع الذاكرة “الفراغية” التي يتميز وربما يتفرّد بها الشعب اللبناني دون غيره من الشعوب.

بين نقيضين

شهد العالم الغربي سابقا والعالم العربي في السنوات الأخيرة تدميرا لتماثيل رؤساء من كل لون وفصيلة، بغض النظر عن طبيعة أو عدالة حكمهم، وبقيت آثار القواعد التي حملت منحوتاتهم على مدى العشرات من السنين دليلا على حلول مرحلة تمهيدية تسبق كتابة فصول جديدة من تاريخ البلد الحديث.

وما وقع لهذه التماثيل لم يحدث في لبنان، إذ انتشرت في ساحاته العامة ومنذ بدايات الحرب اللبنانية مجموعة من الأنصاب التذكارية لأشخاص لا يتفق اللبنانيون جميعا عليهم. في نظر البعض هم أبطال وشهداء وفي نظر البعض الآخر هم مجرمون أو غير مهمين ولا يستحقون التفاتة واحدة.

المعرض يحمل عنوان "تمارين من أجل واقع مُعتمد"، وهو يأتي من صلب هذا الضياع الباحث عن الوضوح والقادم من عبثية التكرار العقيم

كثرت هذه التماثيل في الساحات وطغت على حضور التماثيل التذكارية القليلة والقديمة، فباتت هذه الأخيرة مُهملة ومرصوصة في ظل الأنصاب التذكارية الجديدة، بالرغم من أنها هي التي اجتمع عليها كافة أفراد الشعب في الماضي، حتى باتت جزءا لا يتجزأ من هويته السياسية التاريخية. نذكر من الأنصاب التذكارية القديمة تلك التي تمثل رجال الاستقلال ورواد الفكر والفن.

أضرحة الذاكرة

تغيّر المشهد خلال الحرب وبعدها، فباتت الساحات العامة بأنصابها الجديدة وغير المتفق عليها منغلقة على ذاتها لتُنفر الآخر، الشريك في الوطن، وتقصيه وتبعده عن مفهوم المواطنة الحقيقية.

ما قدمه الفنان عمر فاخوري في معرضه الأخير هذا، هو جملة من القاعدات الحجرية تشبه إلى حد بعيد شواهد على قبور. قبور للذاكرة الجماعية الموحّدة. شواهد تتسيد الساحات العامة وتجعل من الماضي البعيد شتات أحلام ومُبعثرات وطن فقد بوصلته، فعاث في أرضه كل من طاب له ذلك. لم يكتف الفنان بذلك فقط، بل أعطى لهذه اللوحات الخالية من التماثيل التذكارية عناوين ساخرة ونمطية أشارت إلى الغياب المدوّي للذاكرة الشعبية الموحدة.

نذكر من تلك العناوين “رجل يحمل نسخة من الميثاق الوطني”، “رجل يسحق برجله خوذة عسكرية وهو يحمل بيرقا”، “رجل يحمل رسالة ويصوب بإصبعه نحو الأرض”، “امرأة تحمل طفلا” و“رجل يركع أمام شجرة أرز”.

ثمة لوحات أخرى اختار الفنان أن يعطيها عناوين تشبهها، إذا صح التعبير، نذكر منها هذه التي تحمل اسم “أعشاب”، حيث يبدو عشب طفيلي قد نما بفعل الإهمال ومرور الزمن، على قاعدة فقدت حملها لمجسم بطل ملحمي مُشترك. في هذه اللوحة احتلت الأعشاب الضارة مكان النصب، فاستحقت مكانتها لأنها فضحت الاستهتار العام.

كثرت التماثيل في الساحات وطغت على حضور التماثيل التذكارية القليلة والقديمة، فباتت هذه الأخيرة مُهملة ومرصوصة في ظل الأنصاب التذكارية الجديدة

ليست لوحات الفنان أضرحة للذاكرة فقط، بل هي أيضا صروح للفراغ وتصوير لسلسلة من تمارين لا تنتهي، هدفت ولا تزال إلى اجتراح معنى واحد قد يتفق عليه وطن ما انفك يُدمّر ويُعيد تشييد ذاته من دون الوصول إلى قرار.

المعرض يحمل عنوان “تمارين من أجل واقع مُعتمد”، وهو يأتي من صلب هذا الضياع الباحث عن الوضوح والقادم من عبثية التكرار العقيم. يُمعن الفنان في استعمال ألوان بهتت حدّتها بفعل مرور الزمن والإهمال، كما تبنى تقنية تقطيرها وسكبها نحو أسفل اللوحة لتشكل ديناميكية مؤثرة تتضارب مع خطوط العرض المنصوبة في فضائها.

إن تأثير عمليتي التقطير وتسييل اللون ناتج من كون هذه التقنية جعلت من الأرض التي ثُبّتت عليها القواعد المسلوبة من تماثيلها أرضا شفافة ومتصدعة، تذكر بالجليد عند تشققه، وبالأسس المقوضة لأبنية أكل عليها الزمان وشرب.

يذكرنا ما قدّمه الفنان في هذا المعرض بمعرض سابق له، حيث عرض فيديو جعل فيه عددا كبيرا من الأفراد يرددون عبارة واحدة “أنا عمر فاخوري، أعلن براءتي من كل ما حدث في لبنان منذ 1979 حتى الآن”.

يحمل هذا الإعلان المشترك إدانة، أكثر ممّا يحمل إشارة إلى البراءة، فمعظم اللبنانيين يعتبرون أنهم غير متورطين في دمار البلد، وليست لهم علاقة بالفراغ الذي يعيشه الآن، في حين أن الواقع يقول عكس ذلك. الفراغ في معرض الفنان عمر فاخوري الأخير يصرخ في وجه الجميع قائلا “هذا ما صنعتموه ولم يصنعه أحد غيركم”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر