السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

غسان غزال: جندب الربيع الحاذق

غسان غزال لم 'يُنزل' أعماله التي تنتمي إلى الفن المفهومي، من علياء برجه العاجي إلى الجمهور تحت شعار 'فليفهم من يفهم وعلى الباقي السلام'، وهذا أقوى ما يميّز جميع أعماله.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/02/25، العدد: 10196، ص(16)]

هكذا غادر الفنان اللبناني غسان غزال الحقل قبيل حلول الربيع، رحل كجندب خفيف الظل ومتألق الحواس بعيدا في الأفق الأخضر. ولّى إلى غير رجعة ودون سابق إنذار.

ربما تعثّرت قفزاته الرشيقة بشجيرات أحلامه المتشابكة وبأشواك أفكاره الغزيرة وورودها العجيبة، فهوى في صمت على أرض الحقل الشاسع الممتد أمامه وهو لا يزال في أوج عطائه الفنيّ.

آخر مرة رأيته فيها كانت في نهاية الشتاء الماضي بمقهى صغير، على طريق ضيّق ومتفرع من شارع الحمرا. كان المطر غزيرا وأضواء المقهى الخافتة تبعث الدفء في القلب.

يومها جلسنا طويلا، وكان لدينا للمرة الأولى ومنذ سنين متسع من الوقت لكي نشعر بخفة الزمن ونتكلم دون أن ينظر أحد منا إلى ساعته خوفا من التأخر عن موعد ما. من ضمن ما تكلمنا عنه كانت مشاريعه الفنية/ التجهيزية التي يود أن يحققها، وهو بصدد العمل على رفدها بقراءات عدّة تعمّق من معناها وأثرها على المشاهد.

كتبت بعد فترة مقالا عنه في جريدة “العرب”، ولكنني لم أذكر الأفكار التي كان يريد تجسيدها، أو كان قد باشر العمل عليها. كان ذلك في رأيي، نوعا من حماية الأفكار، أفكاره هو وهي تتبرعم في غمرة مهدها بسرية. منذ أسبوعين انطفأت تلك الأفكار، هكذا بكل بساطة، مع صاحبها الذي رحل هو الآخر إثر أزمة قلبية ألمّت به، ليبقى الحقل الربيعي الموشك على الاخضرار مُكهربا بحضوره الفائت.

كلمات غسان التي قالها لي يومها، إضافة إلى غيرها من الكلمات التي سمعتها منه في مناسبات أخرى أعادتني إلى مشغله الفني الذي انتقل إليه حديثا. تذكرت كيف كان يتكلم عن أعماله بشغف كبير مقرون بشيء من الحسرة، خاصة حينما كان يذكر “التجهيزات الفنية” التي لم ينجزها بعدُ وهو لا يزال يراكم تفاصيلها في زوايا مرسمه، وفي تلافيف دماغه على السواء.

يومها غلّى القهوة في الركوة مرتين، و“فورها” على النار مرتين، لكنها بقيت شهية وطيبة. لم يغادر الحزن عيني الفنان يوما، على الأقل في السنوات الخمس الأخيرة التي عرفته فيها، لكنه حزن خالطه دائما المرح، والقدرة على السخرية المُحببة، والجرأة في خوض غمار المواضيع الأكثر خطورة، والتورط جسديا فيها كما فعل حينما تنقل في شوارع بيروت يقدم مياها “صالحة للشرب” للمارين، بناء على فكرة من أفكاره لست هنا بصدد شرحها.

أو حينما أدخل خروفه الشهير الذي لقبه بـ“فارو” إلى أرجاء المعرض السنوي الضخم للفن المعاصر، المفارقة أنني سألته منذ فترة قصيرة “ماذا حدث بفارو؟”، لم يعد ذلك مهمّا الآن.

بغض النظر عن الأسباب التي أعرفها أو تلك التي لا أعرفها، يمكنني الجزم أن غسان غزال هو من الفنانين النادرين الذين عرفوا كيف يقيمون التوازن بين الألم والفرح، وبين ما خبره وتعلمه في كندا قبل أن يعود إلى لبنان منذ حوالي سبع سنوات، وما هو خاص بمنطقته العربية وبكونه لبنانيا ينتمي إلى مجتمعه، وقد جاءت أعماله التشكيلية كما التجهيزية تنبض بالصدق المغاير للسائد.

لست بصدد كتابة مرثية عن غسان، أنا أكره المرثيات لأنها غالبا ما تقول ما كان عليها أن تقوله حين كان يجدي ذلك نفعا، وهي غالبا ما يسكنها النفاق. أفرح اليوم لأنني ما توفرت لي يوما كلمة جميلة، أو مطمئنة، أو مشجعة إلاّ وقلتها مرارا لكل من استحقها غير مبالية بالنتائج.

كلماتي اليوم ليست بمرثية بالية، أعيد التأكيد بأن غسان غزال لم “يُنزل” أعماله التي تنتمي إلى الفن المفهومي، من علياء برجه العاجي إلى الجمهور تحت شعار “فليفهم من يفهم وعلى الباقي السلام”، وهذا أقوى ما يميّز جميع أعماله.

وداعا غسان.. إلى رحمة الله عزّ وجلّ.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر