الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

الجمعة 26 مايو/ايار 2017، العدد: 10644

أمبرتو إيكو وفكرة الاختلاف

إيكو كثيرا ما خلق الجدل بسبب مواقفه السياسية والفكرية، خصوصا نقده اللاذع لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة وشبكة الإنترنت.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/02/28، العدد: 10199، ص(11)]

مواقف إيكو خارج المألوف

ارتبط اسم المفكر والروائي الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو، الذي رحل نهاية الأسبوع الماضي، برواية “اسم الوردة” التي غطّت على جميع أعماله الأخرى، الروائية والفلسفية والأدبية. وبقدر ما غطّت الرواية على إيكو في حياته، فقد عرّت بالمقابل على الأدب الإيطالي، ذلك أن الشهرة الواسعة التي نالتها شجعت بشكل كبير على إعادة ترجمة الأدب الإيطالي، بعد أن تجوهل لفترة معينة، ربما بسبب غياب الأدباء الكبار الذين أنجبتهم إيطاليا، أمثال إيتالو كالفينو.

غير أن إيكو كثيرا ما خلق الجدل في بلاده وخارجها، بسبب مواقفه السياسية والفكرية، خصوصا في ما يتعلق بنقده اللاذع لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة، وشبكة الإنترنت.

فقد عبّر طيلة حياته عن مواقف اعتبرها الكثيرون خارج المألوف بل ومحافظة، بالنسبة إلى رجل موسوعي من عيار إيكو شديد النقد للانغلاق الأيديولوجي والتطرف بشتى أنواعه؛ ومن بين تلك المواقف قوله بأن شبكات التواصل الاجتماعي “قد منحت الحق في التعبير للكثير من الأشخاص السفهاء الذين لم يكونوا يتكلمون في السابق سوى داخل الحانات بعد أن يتناولوا كأسا من الخمرة، لكن دون أن يشكّلوا إزعاجا للمجتمع؛ أما بعد شبكات التواصل الاجتماعي فقد أصبح لديهم نفس الحق في الكلام مثل أيّ شخص حاصل على جائزة نوبل. إنها غزوة السفهاء”.

بجانب ذلك كان إيكو سليط اللسان تجاه السياسات الغربية وثقافة التمركز حول الذات لدى الرجل الأوروبي. ففي أعقاب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، وخروج عدد من المثقفين الغربيين ببيان حمل عنوان “لماذا يكرهوننا؟”، كتب إيكو سلسلة مقالات نشرت في مختلف الصحف العالمية، من بينها صحيفة “الباييس″ الأسبانية، ينتقد فيها النزعة الاستعمارية العريقة لدى أوروبا والغرب، ويعتبر أن ثقافة الرجل الأبيض التي سحقت الثقافات الأخرى المغايرة خلال العصور الوسطى، ما تزال تشكل خلفية ثقافية للعديد من الشعوب وتغذي نزعة العداء لكل ما هو غربي.

ذلك أن الغرب يتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية الأولى في إنجاب ثقافة الكراهية التي أصبحت تشكل عنصرا بنيويا في منظومة العلاقات بين الشعوب والثقافات؛ إذ حاول الإنسان الغربي جعل الحضارة الأوروبية والثقافة المسيحية الإمكانية الوحيدة المتاحة أمام الشعوب الأخرى، ومن هنا تلك النزعة التبشيرية التي رافقت نشر الثقافة الغربية في العالم، والتي يقارنها إيكو بالنزعة التبشيرية القديمة لدى حملة الصليب في العصور الماضية.
تخطيط: ساي سرحان

ويحرص إيكو على أن يبين بأن الأنثروبولوجيا الثقافية، التي ظهرت خلال نهايات القرن التاسع عشر، ومثّلها نخبة من أعلام الفكر الغربي، هي التي عملت على زحزحة هذه القناعات الغربية. فقد أظهرت بأن العالم لا يتشكل من ثقافة أو حضارة

وحيدة، بل من نسيج متعدد من الثقافات والخصوصيات؛ ومن خلال الأنثروبولوجيا الثقافية أدرك الغرب أن هناك حضارات موجودة تطالب بحقها في الاعتراف بها واحترامها وتقدير موقعها. بيد أن إيكو يخلص إلى نتيجة مفادها أن الأنثروبولوجيا الثقافية لم تنجح في تغيير العالم، لأن الغرب كان قد أرسى مجموعة من الآليات التي عمل من خلالها على شيطنة الآخرين وتقديم صورة مشوهة عنهم، على رأسها وسائل الإعلام والصناعة السينمائية ممثلة في نموذجها الهوليوودي.

تميز فكر إيكو بالانحياز إلى الاعتراف بالقيم الخاصة بكل ثقافة، وتثمين الاختلافات الثقافية والحضارية والدينية، ولذلك تعرض للنقد والهجوم في عدد من المحطات الحاسمة التي سجل فيها مواقفه. أحد هذه المواقف، الذي أثار عليه سخطا واسعا داخل إيطاليا وفي أوروبا، ما كتبه في شهر يونيو من العام 2015 حول حرية التعبير والرسوم الكاريكاتورية للرموز الدينية في الإسلام. وقد جاء ذلك المقال ردا على صديقه الرسام الأميركي آرت سبيغلمان، الذي رفضت صحيفة “نيو ستايتمان” البريطانية نشر رسم له للنبي محمد (ص)، فدخل في نزاع معها.

وكتب إيكو في ذلك المقال قائلا “إنني أعتبر صديقي آرت سبيغلمان نابغة، ورسمه المعنون ‘الفأرة’ (عن جرائم النازيين ضد اليهود) سيبقى واحدا من النصوص الأدبية الكبيرة عن الهولوكوست، رغم أنه رسم؛ لكنني هذه المرة غير متفق معه”. وبعد أن يبدي موقفه الرافض للعملية الإرهابية التي أودت بطاقم جريدة “تشارلي إيبدو”

الفرنسية، يتابع قائلا “إن أحد المبادئ الأخلاقية هي تجنب المساس بالحساسية الدينية للآخرين. لا ينبغي أن نحجم عن رسم محمد خوفا من العواقب، بل لأن ذلك يعتبر أمرا غير مؤدب، ومن باب أولى رسم السيدة العذراء، حتى وإن كان الكاثوليك يرفضون فكرة قتل الذين يقومون بذلك الفعل”.

كاتب من المغرب

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر