الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

العراق: البيان رقم صفر

ما يمكن حدوثه اليوم في العراق من سيناريو متوقع هو 'البيان رقم صفر' وهو نتاج صراع يحتدم حاليا في بغداد، يتبلور من خلاله البحث عن البطل 'الشيعي المنقذ' وهنا تكمن الأزمة.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2016/03/01، العدد: 10201، ص(8)]

يجب عدم الثقة في الأحزاب العقائدية ودعاواها بأن جدارها التنظيمي والأيديولوجي حديدي ولا يمكن اختراقه أو تفكيكه، فهذه الوحدة وهمية، والشواهد كثيرة لدى أحزاب العالم العربي والعراق بصورة خاصة. فهذا حزب البعث حكم في العراق لمرتين؛ الأولى كانت لتسعة أشهر عام 1963 خسر فيها الحكم نتيجة صراع جناحيه اليساري المتمثل بعلي صالح السعدي والمحافظ اليميني متمثلا في حازم جواد، واستغل العسكر ذلك الخلاف ووثب على السلطة بقيادة عبدالسلام عارف بإصدار البيان رقم واحد.

ثم عاد هذا الحزب عام 1968 ببيان رقم واحد آخر لكنه خسر سلطته أيضا نتيجة حرق حلبة الصراع من قبل صدام حسين قبل نزول أبطالها المغامرين للساحة، لكن البيان رقم واحد الذي أطاح بحكمه هو صواريخ “كروز” الأميركية التي دكت القصر الجمهوري ببغداد والإذاعة والتلفزيون ومراكز الاتصالات والقيادة لتتبخر جميع وسائل صدام الاحترازية التي كان يتحدث حولها في الاجتماعات الخاصة حين كان يقول “لن أسمح لمن يحمل في جيبه البيان رقم واحد بأن يأخذ الحكم مني، ولن أسمح بتكرار تجربة انقلاب حافظ الأسد على صلاح جديد خلال حكم حزب البعث في دمشق عام 1971”.

ولهذا قتل صدام وبوقت مبكر حردان التكريتي وعبدالرزاق النايف، ثم ثلث أعضاء قيادة الحزب وعلى رأسهم عبدالخالق السامرائي في العام 1979 والقائمة تطول. كان هاجس صدام حسين دائما “البيان رقم واحد”. ولهذا كانت لإذاعة بغداد رمزية سياسية خاصة، حراسها من العساكر مرتبطون بالحرس الجمهوري الخاص، وظل ابن عمه هو مسؤول حرس الإذاعة حتى الاحتلال.

والمثال الثاني هو حزب الدعوة الإسلامي الحاكم الفعلي في العراق منذ العام 2005 ولحد اليوم، فقد عاش انشقاقات قاسية منذ انشقاق مؤسسه محمد باقر الصدر. ولم يأت هذا الحزب للحكم عبر ورقة صناديق الاقتراع بعد أن أصبحت الانتخابات نكتة يتندر بها الحكام أنفسهم في جلساتهم الخاصة. فمن أدخلهم المنطقة الخضراء هم الأميركان بالتعاون مع الولي الفقيه في طهران، وهذه المنطقة أصبحت رمزية السلطة والحكم الحالي ومن يحرسها هم عساكر السفارة الأميركية في بغداد.

فقادة حزب الدعوة لا يمتلكون مفاتيح السلطة، ولكنهم يواصلون حكمهم داخل مسرحها المهلهل، والإعلام الفضائي أصبح هو المهيمن، وانحسر دور الإذاعة بعد أن انتشرت المئات من الإذاعات في العراق، وإذاعة البيان رقم واحد من إذاعة واحدة سيقابل بالمئات من البيانات، وستسبقها بيانات القنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية وهي بالمئات في العراق، وستمتلئ سماء بغداد بالمئات من البالونات الملونة بمهرجان “البيان الأول” قبل ازدحام شوارع بغداد بالآلاف من الرؤوس المُعصَبة بالخرق الخضراء والصفراء والسوداء زاحفة على مركز الحكم بالمنطقة الخضراء حسب تحضيراتها المفترضة، ولتغرق بغداد في بحيرة من الدم بعد أن تحولت شوارعها إلى أكوام للقمامة، لكن الأميركان وحدهم قادرون على ضبط البوصلة بما يخدم مشروعهم من خلال تحكمهم في فضاء بغداد ومواقع الاستحكام، وهم القادرون على الانفراد بإذاعة البيان رقم واحد الإنقاذي إن أرادوا.

دائما لا يُكترث بمن على الواجهة الانقلابية، فالفاعلون الحقيقيون يظلون خلف الستار، هكذا تقول لعبة الانقلابات خاصة في كل من سوريا والعراق، اليوم انتهى شوط المغامرات الفردية، وأصبح رموزها جزءا من التاريخ.

ما يمكن حدوثه اليوم في العراق من سيناريو متوقع هو “البيان رقم صفر” وهو نتاج صراع يحتدم حاليا في بغداد، يتبلور من خلاله البحث عن البطل “الشيعي المنقذ” وهنا تكمن الأزمة، كل واحد من أقطاب التكتل الشيعي يعتقد أنه سيكون قادرا على تمثيل صورة “البطل الشيعي الرمز”. مقتدى الصدر يعتبر نفسه هكذا، وعمار الحكيم كذلك في تراتبية “مقدّسة” تم تعميقها سياسيا في ضمير الجمع الشيعي داخل العراق.

قائمة الأبطال تبدأ من “المهدي المنتظر الذي سيرسي العدالة ويرفع الظلم عن الأمة” ويحاول نوري المالكي الإيحاء بأنه السياسي “الشيعي” الأول الذي يتميز عن الآخرين من رجال الدين بأنه يشتغل سياسة، ويعطي نتائج لا يحققها الآخرون، ولهذا يرشح نفسه بأنه صاحب البيان “رقم صفر”، لكن الصراع معقّد بين المرجعيتين: الأولى في النجف بقيادة السيستاني حاليا والثانية تقودها مرجعية ولاية الفقيه في طهران، هناك توجد دولة ودستور وأوامر، وهنا توجد وصايا وفتاوى، يقبلها أو لا يقبلها، بصمت رجال الدين الغارقون بالسياسة، كلا المرجعيتين تمتلكان قوة التأثير وقنواته في المسرح السياسي وسلطة الحكم في بغداد، لكن لعبة “البيان رقم صفر” معقّدة، من سيصنعه طهران أم النجف؟

هذا هو الصراع الحقيقي، والعراق يمر بأخطر مرحلة في تاريخه حول قضية مصير سلطة الحكم، رجال الدين ابتلعوا أنصاف السياسيين الذين برزوا على المسرح بعد العام 2003 وهم يلعبون في السياسة ببغداد ويوهمون الناس بأن مفاتيح الحكم بأيديهم، لأنهم يحتمون برموز البطولة (علي والحسين والمهدي المنتظر)، أما السياسيون فلا يمتلكون أدنى مقومات الحماية، لأنهم لا يمثلون هذا الشعب العظيم الجبار الذي تلقى منهم ومن رجال الدين صفعات قوية من الظلم والإهانة وجرح الكرامات.

الشعب اليوم مُخدر ومُغيّب بسبب هول الصدمة. صدمة الاستبداد واغتيال الحرية، وصدمة الانفلات والفوضى والتطرف المذهبي والقومي وسيادة السلاح في الشارع. والأميركان المالكون لأقوى مفاتيح سلطة بغداد (العساكر والمخابرات وشبكة هائلة من المخبرين المخترقين لأعلى مرافق الأحزاب والسلطة).

هؤلاء القابعون في سفارتهم حائرين مترددين لا يعرفون ماذا يفعلون إذا ما انفرط لجام الحصان الهائج، فهم منفذون لأوامر زعيمهم في البيت الأبيض، باراك أوباما، الحالم بالسلام والوداعة في ظل توحش روسي وامتداد إيراني لا يرحم، لأن المعركة أصبحت معركة كسر عظم بين استقطابيْن نافذين في العراق يتحركان بسرعة نحو الصدام، في ظل عالم لا يمانع في أن تُسفك دماء الملايين من عرب المنطقة، حيث يُذبح الشعب السوري، ويشرّد شعب العراق العظيم وينفى من أرضه، من أجل وصول النافذين إلى مقتربات حظيرة تقاسم النفوذ.

من يذيع البيان رقم صفر في العراق، المثقفون المشتتون الضائعون ما بين ماض يساري أو قومي ملتبس، وحاضر طائفي منبطح سحبهم نحو موائد الانتفاع الذاتي ولا يهمّهم أن يمارسوا لعبة التسبيح لرجال الدين صباحا، وفي المساء يتسامرون بينهم على أنخاب النفعية المادية، والاحتفال بالفوز بردم الهوة ما بين المثقف ورجل الدين “المذهبي الطائفي” ليمثلوا أرخص دور لم يلعبه قبلهم مثقفو العراق عبر قرون من الكلمة والموقف الصادق والمشّرف. لقد سقط “وعاظ الطائفية” في مستنقع تجار الكلمة المساندين لتجار السياسة بعد مغادرتهم موقع التنوير والوفاء للشعب والوطن، ولن يتمكنوا من الاقتراب من قدرة البوح بالبيان رقم واحد الإنقاذي ليظلوا في قاع البئر.

نحن في بلد تحوّل فيه رجل الدين إلى سياسي، والتاجر والسارق وناهب المال العام إلى سياسي، والمثقف المأجور إلى مستشار لرجل الدين اللاعب بالسياسة، وهذه النتيجة على مرارتها، لكنها مفيدة لكي يصبح طريق الإنقاذ مُعبّدا وسهلا أمام الخيّرين المحبين للعراق وهم كثر.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر