الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

أنقذونا من هذا الشعر

هناك أنطولوجيات شعرية صدرت وترجم بعضها إلى لغات أجنبية، تتضمن عشرات الأسماء من شعراء هذه الموجة، التي لا يكاد يعرفهم في بلدهم عشرة قراء في أحسن الحال.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/03/01، العدد: 10201، ص(15)]

الشعر الذي كان فن العرب الأول بامتياز تحول اليوم بفعل هذا الكم الكبير من الكتابات الرديئة التي تنشر أو تطبع ويتم تداولها إلى فن العرب الأردأ. خطورة هذا التحول في واقع الشعرية العربية، لا تخص جماليات الشعر وموقعه في الحياة الثقافية العربية الراهنة وحسب، بل هي تمس أيضا التجارب الشعرية الأصيلة، التي تكاد تضيع في زحمة هذه الفوضى المستشرية، وغياب المعايير الجمالية التي يتم على أساسها التعامل مع واقع النشر شعريا.

استمرار هذا الواقع يجعلنا نجدد صرخة محمود درويش القديمة، ولكن على نحو أكثر مرارة وألما، أنقذونا من هذا الشعر الرديء، على الرغم من إدراكنا للعلاقة القائمة بينه وبين حالة الفساد والضياع التي تعيشها الثقافة العربية في هذه اللحظة العربية الفارقة. لقد خسر الشعر العربي حضوره في الذاكرة الثقافية العربية بعد أن أتاح سيطرة قصيدة النثر على المشهد الشعري العربي لمن يشاء أن يصبح شاعرا، حتى لو لم يكن عارفا بقواعد اللغة العربية.

هناك شعراء، وبعضهم أصبح مشهورا، ولا يجلس إلا في مقهى خاص به، تورطوا في قراءات شعرية، فضحت جهلهم بقواعد اللغة العربية البسيطة، فقاموا بنصب المرفوع ورفع المنصوب.

هؤلاء الشعراء قرأوا بعض النصوص الأجنبية المترجمة، وديوانين لشعراء معروفين، ثم وجدوا أن عبقريتهم الشعرية قد اكتملت، فأخذوا يتحفون القارئ العربي بروائعهم الشعرية، التي لا تتجاوز في الغالب سرقة الأفكار والصور الشعرية وإعادة تدويرها، أو كتابة خواطر الحب أو الهروب إلى التجريد في شعر ما بعد الحداثة الخاص بهم.

عندما عاتبت صديقا يعمل رئيسا لتحرير إحدى المجلات الثقافية المحترمة عن أسباب نشر المجلة لنصوص من هذا النوع، أقسم لي أنه يختارها من بين العشرات من النصوص التي تصله والتي لا تجد المجلة بدا من اختيار أقلها ضعفا لنشرها في باب الشعر. لذلك لا غرابة إن لم يعد الشعر يجد قارئا له، على الأقل كما كان الحال عليه قبل عقدين من الزمن.

الأغرب من كل هذا أن هناك أنطولوجيات شعرية صدرت وترجم بعضها إلى لغات أجنبية، تتضمن عشرات الأسماء من شعراء هذه الموجة، التي لا يكاد يعرفهم في بلدهم عشرة قراء في أحسن الحال. لكن هذه الغرابة تزول عندما ندرك أن من أعد هذه الأنطولوجيات شعراء تخرجوا من نفس المدرسة، ويتقاسمون نفس الموهبة.

إذا أمام استشراء هذه الحالة هل على العرب أن يتوقفوا عن كتابة الشعر، أم علينا أن نبحث عن قانون لمكافحة التلوث الجمالي، حتى يستعيد الشعر قيمته والشعراء الحقيقيون مكانتهم.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر