الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

الجمعة 28 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10616

نموت ليحيا الوطن

الوطن يأخذ تعريفه الجغرافي بعد بحث وارتحال لا يفرق كثيرا عن البحث عن بقعة غير مشغولة على البلاج في الإجازة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/03/01، العدد: 10201، ص(24)]

العنوان أعلاه كاذب. لا يوجد شيء اسمه الوطن إذا متنا. الوطن ليس موجودا بذاته بل هو موجود طالما هناك من يعتبره وطنا. مثل المرأة الجميلة، جمالها مرتبط بوجود من ينظر إليها. وبهذا يفقد جمالها استقلاله، فمن دون مشاهدين هي ليست جميلة.

كذلك هو الوطن، من دون مواطنين لا يعود وطنا. ومن هنا سخف الشعار القائل “نموت ليحيا الوطن” فعندما نموت يموت الوطن معنا، وهذا يعني أن علينا أن نعيش ليحيا الوطن.

الكذب لا ينتهي عند موت المواطن ليحيا الوطن. في مصر، مثلا، يكثر المواطنون من ترديد عبارة تقول “أنا عاشق ترابك يا مصر” ويكتبونها في الفيسبوك ووسائل النشر الأخرى. أنا أزور مصر كثيرا وأعرفها جيدا. ولم أر في حياتي من يعشق ترابها. بل على العكس كل من أعرفه هناك يكره تراب الوطن كره العمى ويستحم بضراوة للتخلص من كل ذرة من تراب الوطن.

الاستحمام بضراوة بمعنى الإسراف في الفرك والدعك بمختلف أنواع الصابون. حين تهب عاصفة ترابية وطنية ستسمع ما لذ وطاب من ضروب الشتائم الموجهة بغلّ وحقد إلى تراب الوطن. والأمر لا يختلف في بلداننا الجافة التي يهيج فيها تراب الوطن، من المغرب حتى الخليج.

الوطن بقعة أرض اختارها الجدود حين كانوا يجوسون في بقاع الأرض بحثا عن مكان هادئ يعلوننه وطنا بعيدا عن المتطفلين من أقوام أخرى. الوطن يأخذ تعريفه الجغرافي بعد بحث وارتحال لا يفرق كثيرا عن البحث عن بقعة غير مشغولة على البلاج في الإجازة. ولمن لا يروح للبلاج هي تشبه البحث عن مكان قصي هادئ في البارك عندما تكون في فسحة ويكون معك شيء تفرشه على العشب وبضعة شطائر ومشروبات.

تنتهي رحلة البحث عن البقعة الهادئة على البلاج فتفرش منشفة عليها لتعلن أنها محـجوزة. لكن في حالة الوطن سيكون مطلوبا منك أن تموت من أجل البقعة التي وضعت فيها منشفتك. ترويها بدمك ودم أولادك وذوي القربى. حين يصير المكان وطنا يصير له حياض.

لا أعرف معنى الحياض تحديدا، فهي كلمة أعرفها بصيغة جمع التكسير وما أدري مفردها. لكني أعرف أن الحياض هي شيء تموت دونه وتدافع عنه. الحياض لا تزار ولا تؤكل ولا شيء سوى أن يدافَع عنها ويموت الناس دونها. زرت بلدانا عدة ولم أر الحياض هذه.

في ذات سفرة من عاصمة خليجية إلى أوروبا كانت جليستي في صالة الانتظار سيدة سويدية ودود وسعيدة. كانت مبتهجة لأنها جاءت إلى الخليج لتزور ابنها وتشبع شمسا، وقد فعلت. وحكت لي أنها في مدينتها الصغيرة شمال السويد لا يرون الشمس ويعيشون على صيد السمك ويسعدون بالرذاذ لأن الثلوج تهطل كل يوم تقريبا. المهم أنهم يعيشون في ظلام مستمر دون شمس. سألتها سؤالا ساذجا ومطلوبا وهو “لماذا تعيشون هناك؟ أعني ما الذي يحملكم على العيش دون شمس؟” فقالت ببساطة “لأنه وطننا”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر