الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

أتعثـر بمقهى قديم

أحتضن الشوارع والأمكنة وأحتفي بكل برعم جديد تفتـّح إذبان نومي وكل وردة تتغنج باُنوثة ألوانها.. أرفع هامتي فأرى روحي وقد ارتفعتْ لتعلوَ فوق المباني الشاهقات.. فيبتسم قلبي.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/03/02، العدد: 10202، ص(21)]

أستفيقُ.. أفركُ عيون النهار بأصابع نعاسي.. وأفتح عينيّ لأستقبل السماء.. اُرحّب بشمسٍ استلمتْ مفاتيحها فجراً من ليلٍ لا بد وأنه ضمّ عاشقين.. تتمطى أذرعي وتتثاءبُ أعضاء انتظاري.. أمضي لأغسل وجهي من بقايا الحلم كي اُصافح دقائقي.. أفتح باب قلبي فيتدفق متلامعاً شلالُ يومي الجديد..

جسدي يشع ترقباً.. “ما الذي يخبئه اليوم لي من مسرات؟”.. أقاسم العصافير فطوراً من أغاريد.. وأستبدل ملابس الأمس بأخرى تليق.. ستبقى تبهرني الحياة بمباهجها مادامت ابتسامتي بخير.. هكذا أحدّث مرآتي وأنا أخطّ كحلي فأرسم بالمسك لحظاتي القادمات.. لا أنسى أن أوقد شمعات من رحلوا.. وأنا أستحضر وجودهم اليومي معي.. وأوشوشهم بما يدور ببال توقعي..

أصغي لإيقاع خطوي الواثق.. أحتضن الشوارع والأمكنة وأحتفي بكل برعم جديد تفتـّح إبان نومي وكل وردة تتغنج بأنوثة ألوانها.. أرفع هامتي فأرى روحي وقد ارتفعت لتعلو فوق المباني الشاهقات.. فيبتسم قلبي..

عن شمس الصباح أبحث.. لماذا اختبأت خلف تلك الغيوم العبوسة بسرعة؟..”قالَ السماءُ كئيبة وتجهَّما.. قلتُ ابتسم، يكفي التجهّمُ في السما”.. أمتثل لتحريض إيليا أبو ماضي.. وأقارع تجهّم السماء ببسمتي.. فأستشعرُ بمجسّـات توقي حنان الطبيعة وهي ترسل ذبذبات أمومتها وتداعب حواسي بعبق هوائها الحاني..

أتحسّس فراشاتها وهي تتطاير حولي.. فتطوّق حزني الذي يحاول أن يتسلق رأسي ليحيلني إلى وطن غاب وأحبة رحلوا وأصدقاء خانوا وأشياء حبيبات ضاعتْ وسُرقت مني.. أستنفر ملائكتي فأجدهم يحيطونني متقافزين وهم يرافقون خطوي صوب نسيان جميل..

أتعثـر بمقهى قديم ضمّ أصابعنا ذات حب ونحن نتقاسم قهوتنا ونضحك هائمَين.. فأقول شكراً لأنني أثثتُ الأمكنة بذكرياتٍ لن تغيب.. أدرك فجأة بأنك لم تعدْ هنا وأنا لستُ حزينة!.. وبأنك بعيد وأنا بألف خير.. وبأنك لست معي وأنا أتراقص وأحبّ وأحيا كما أريد.. أضحك من ضعفي الذي كان حين لم أكن أرى الكون إلا فيك وبك وبين يديك!.. ها أنني أزهو بكامل قوتي دون أن تكون أنت السبب!..

“لو دمتُ لغيره ما وصلتُ إليه!” هكذا حدّثتني صديقتي ذات السبعين ربيعاً وخريفاً حين روَتْ لي باستمتاع قصتها مع معشوقها الجديد!.. فالحب بخير إذاً والحياة بخير طالما أن ابتساماتنا بخير.. وأنا أنا.. إن كنتَ أنتَ هنا أو لم تكن!..

أحيي زملائي.. صخب العمل يشهر مللي ويشغل رأسي بتفاصيله.. أراوغه بفنجان قهوة أرتشف رحيقها مثل نحلة ترتشف قبلتها من شفاه ورد بري.. وأراوغ الوقت فيمرّ سراعاً ليفاجئني وقد انتهى يوم العمل.. أترك على المكتب ما شاكس راحتي.. وأشاكس افتخاري وأنا أذكره بمنجزاتي الصغيرة التي أضعها في حقيبتي وأمضي بها لأحيا بقية يومي..

جوعي يجعلني أغضّ البال عمّا تفاقم في تفاصيل جسدي.. أحدّثُ استمتاعي بلذة طعامي أننا نحيا مرة واحدة.. وأعِد معدتي بالتقشف لاحقاً.. اُطمئنها “في صباح الغد سأسير خطوات أكثر وأسرع لأحرق ما ألقمتـُه جوعي اليوم من سعرات”.. أرتاح لفكرتي وأسرع لألبي لقاءً مع أصدقائي لحضور مهرجان الألوان..

وحين أعود لبيتي.. أستلقي في حضن أول الليل وبين يدي رواية تحكي تفاصيل يوم لا يشبهني.. فأستسلم لحلمي وقد تمازجت بين ثناياه الحروف واللوحات والموسيقى والأحبة وهم يرسمون بفرشاتهم صوراً دافئة جميلة ليوم خضل جديد..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر