الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

الخميس 23 مارس/اذار 2017، العدد: 10580

حصار دولي للجماعة الإرهابية

استئصال جذور عمل تنظيمي معقد استمر ما يقرب من تسعة عقود لن يتحقق بين عشية وضحاها، بل يتطلب عملا دؤوبا وجهدا مضنيا على مستويات شتى.

العرب سالم الكتبي [نُشر في 2016/03/02، العدد: 10202، ص(9)]

يعكس تصويت اللجنة القضائية بمجلس النواب الأميركي مؤخرا على مشروع قرار باعتبار جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا، مزاجا دوليا عاما مناوئا لهذه الجماعات والتنظيمات، كما يعكس ترسخ القناعة بأن جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية هي أحد المنابع الرئيسية للفكر المتطرف، سواء من خلال منظريها الذين أسسوا البنية التحتية الأيديولوجية للإرهاب، من خلال كتابات سيد قطب وسعيد حوي وفتحي يكن ومصطفى السباعي ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي، وآخرين ممن يمكن وصفهم بقوة الإمداد الأيديولوجي من المنظرين غير المحسوبين تنظيميا على الجماعة مثل فهمي هويدي وغيره، أو من خلال تعاونها وتنسيقها السري المستمر مع تنظيمات الإرهاب مثل “القاعدة” وفروعها المختلفة، والذي تجسد في جرائم تنظيم “بيت المقدس” في مصر الشقيقة، وهي جرائم بدأت منذ الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين شعبيا في الثلاثين من يونيو عام 2013.

الدلالة الأخطر في موقف اللجنة القضائية بمجلس النواب الأميركي أنه صدر من جهة تشريعية عليا، وليس من سلطة تنفيذية، وبالتالي يكتسب التصويت فاعلية وحجية أقوى، بما يمثله من سلطة للمشرعين الأميركيين حيال تغلغل الجماعة الإرهابية في الأوساط الغربية عموما، والأميركية منها على وجه التحديد؛ حيث يعد التصويت بمنزلة صفعة قوية للتنظيم الدولي للجماعة الإرهابية، ومحاصرة حقيقية له في واحدة من الدول التي كانت عناصره تتحرك فيها بنشاط مكثف طيلة العقود والسنوات الماضية، بل إن عناصر التنظيم كانت تتردد بحرية لافتة على مقار الخارجية الأميركية من أجل إيصال رسائل إقناع بتبني سياسات متشددة حيال مصر.

ورغم أن تصويت اللجنة القضائية بمجلس النواب الأميركي ينتظر تصويتا نهائيا من المجلس، فإن التصويت، بحد ذاته، مؤشر قوي سيحسم مواقف الكثير من الدول الأوروبية المترددة حيال الجماعة الإرهابية، كما سيسهم في فرض حصار دولي جاد على تحركات عناصر الجماعة والحد من أنشطتها وتجفيف مصادر تمويلها، حيث يفترض أن يتبع تصنيف الجماعة رسميا في قائمة الإرهاب الأميركية، أن تحظر الإدارة الأميركية على الأجانب ممن لهم علاقة بالجماعة دخول الولايات المتحدة، فضلا عن تجريم التعامل معهم من جانب الأميركيين والمقيمين داخل الولايات المتحدة؛ وخضوع الجماعة للملاحقة القضائية الفيدرالية وتجميد أصولها.

ورغم أن هناك جدلا بين الخبراء والمتخصصين حول موقف الإدارة الأميركية الحالية حيال تصنيف جماعة الإخوان المسلمين ضمن قائمة الإرهاب، فإن تصويت اللجنة القضائية بمجلس النواب يوجه رسالة قوية لإدارة باراك أوباما بل والإدارة الأميركية المقبلة بعدم التهاون مع الجماعة الإرهابية والتصدي لخطرها، علاوة على ضرورة إدراك مسألة مهمة تتعلق بالجانب التشريعي الأميركي، باعتبار أن صدور قانون بشأن تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية من جانب الكونغرس بمجلسيه، فإن الإدارة الأميركية ستجد نفسها في موقف بالغ الدقة من حيث تطبيق معايير القانون الأميركي الخاصة بتصنيف الجماعات الإرهابية من عدمه.

وأيا كانت نتيجة التصويت النهائي لمجلس النواب الأميركي بشأن الجماعة الإرهابية، فإن المجال لم يعد مفتوحا في الولايات المتحدة أمام عناصر الجماعة كما كان في السابق، فقد سلط مشروع اللجنة القضائية الضوء على أمور عدة بعضها يتعلق بأنشطة الإخوان وعلاقاتهم المشبوهة بالاعتداءات الإرهابية في مناطق شتى من العالم، في حين يتعلق بعضها الآخر بالعلاقات التي تربط العناصر الإخوانية مع بعض المسؤولين الأميركيين.

وقناعتي الذاتية أن سياسات الولايات المتحدة – كقوة عظمى – لا تتخذ مواقف حادة في مثل هذه الأمور، بل تترك الباب مواربا وتفتح مجالا ـ ولو ضئيلا ـ للنفاذ إلى مناطق التنسيق المشترك والتعاون بين واشنطن والأطراف الأخرى، بما فيها الدول والتنظيمات والجماعات التي توضع دائما في خانة العداء مع الجانب الأميركي.

وهنا يبدو مشروع القانون المقترح بمنزلة اختبار مهم للدبلوماسية الأميركية لأنه يطلب من وزير الخارجية الأميركي إعداد تقرير في غضون 60 يوما يحدد فيه رأي الوزارة حيال تصنيف الإخوان جماعة إرهابية وفقا للمعايير التي ينص عليها القانون الأميركي في هذا الشأن، ويلزمه، أيضا، بتوضيح المبررات والأسانيد القانونية في حال رأت الوزارة أن الجماعة لا تنطبق عليها هذه المعايير.

والواضح من موقف وزارة الخارجية الأميركية – حتى الآن – أنها تتفق مع رأي اللجنة القضائية حيث قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في وقت سابق ضمن شهادة له أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، إن الولايات المتحدة على علم بتورط أعضاء من الإخوان في القيام بأعمال عنف، كما أنكر كيري استضافة أعضاء من الإخوان خلال زيارتهم إلى واشنطن العام الماضي، مشيرا إلى أنه لم يكن معلوما أن أحد أعضاء الوفد ينتمي إلى حزب تابع للإخوان المسلمين، والأهم أنه أشار في شهادته إلى وجود بعض فروع هذه الجماعة تقوم بأعمال عنف، ما يؤشر في مجمله على موقف مماثل للخارجية الأميركية في حال أقر الكونغرس الأميركي، بمجلسيْه، توصية اللجنة القضائية بمجلس النواب.

ما يهمني أيضا في هذا الموضوع أن مشروع القانون الأميركي المقترح يعمق جراح التنظيم الدولي للجماعة الإرهابية، ويدفع باتجاه تفتت هذا الكيان التنظيمي بالغ الخطورة على الأمن والاستقرار في العالم العربي والإسلامي، بما يقوم به من مؤامرات وخطط للإطاحة بأنظمة الحكم ومحاول تمكين الجماعة الإرهابية من السلطة في إطار مشروع إخواني كبير للوصول إلى ما وصفه المرشد المؤسس للجماعة بـ”أستاذية العالم”، وهي الفكرة الموازية لفكرة “الخلافة” التي تنادي بها تنظيمات إرهابية أخرى، استنبطتها بالفعل من “أدبيات الإخوان المسلمين” بعد أن قام الإخوان بمحاولة الالتفاف على فكرة “الخلافة” والمناورة سياسيا، بترويج فكرة حسن البنا القديمة الخاصة بأستاذية العالم، وهي صيغة أيديولوجية خبيثة لبناء دولة ثيوقراطية قائمة على الأسس ذاتها التي ينادي بها البغدادي وأيمن الظواهري وغيرهما من زعماء تنظيمات الإرهاب الدولية.

أدرك أن القضاء على فكر الإخوان المسلمين الخبيث لن يتم في واشنطن ولا لندن، ولكن في منابعه الأصلية في دولنا العربية والإسلامية، ولكني أثق أنها جهود متكاملة يصب بعضها في بعض ويتكامل بعضها مع البعض الآخر، فاستئصال جذور عمل تنظيمي معقد استمر ما يقرب من تسع عقود لن يتحقق بين عشية وضحاها، بل يتطلب عملا دؤوبا وجهدا مضنيا على مستويات شتى بعضها يتعلق بتفكيك الأطر القانونية والتنظيمية والبنى الهيكلية، وبعضها ينصب على البنى المعرفية والفكرية والأيديولوجية، وبعضها الآخر يستهدف مراكز الإمداد والتمويل المالي والتجنيد البشري، في حين يعمل بعضها الآخر في إطارات جغرافية ويستهدف نشر هذه الجهود على الصعيدين الإقليمي والدولي ومحاصرة المشروع الإخواني جغرافيا وسياسيا وفكريا. وبالتالي هي سلاسل معقدة ومتعاقبة من الجهود، وتتطلب إيمانا راسخا بقيمة هذه الجهود من أجل تحقيق الأمن والاستقرار على المدى البعيد، وليس فقط تحقيق انتصارات تكتيكية ناتجة عن “جزر” زمني لأنشطة الجماعة الإرهابية لا يلبث أن يعقبه “مد” يحمل موجات نشاط عاتية أقوى مما سبق.

باحث وكاتب في القضايا السياسية – الإمارات العربية المتحدة

سالم الكتبي

:: مقالات أخرى لـ سالم الكتبي

سالم الكتبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر