الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

سجين الخيال

الدستور المصري الجديد يحتاج إلى الإسراع في ترجمته إلى قوانين تقطع مع الحسبة ومع المحاسبات على الخيال أو الرؤية أو الموقف الفكري.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/03/02، العدد: 10202، ص(24)]

كنت أنوي الكتابة عن اعتزال شيرين عبدالوهاب الغناء وهي في أوج العطاء، أو عن مواهب أطفال “ذي فويس كيدز” الذين شعرت بأنهم كانوا كبارا قبل أن تتراجع بهم خطوات العمر نحو طفولة استثنائية، أو عن الإعلامي توفيق عكاشة الذي تقرر التحقيق معه بعد اكتشاف مؤشرات على تزويره شهادة الدكتوراه التي يقدم بها نفسه في الإعلام والسياسة والمجتمع، وربما عن الإعلامية ريهام سعيد التي صدر في شأنها حكم بالسجن لمدة عام ونصف العام.

كنت أنوي الكتابة عن فتوى تحريم الشطرنج، أو عن أكداس القمامة التي زحفت على طرابلس بعد أن عجزت حكومة الإخوان عن دفع رواتب العمال منذ أربعة أشهر، وربما عن قرار تونس بإعادة تمثال الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة إلى قلب العاصمة وفي ذات الشارع الذي لا يزال يحمل اسمه برغم موقف الإسلاميين منه، أو عن وضعية الشاعر الكبير مظفر النواب الحرجة والتي أثارت بعض حمرة الخجل لدى أصحاب القرار في بغداد فقرروا أن تتكفل الحكومة بمصاريف علاجه.

كثيرة هي المواضيع التي كانت تتجاذبني، ولكن قضية الروائي والصحافي والمدوّن المصري أحمد ناجي القابع حاليا خلف القضبان بسبب نص أدبي وبتهمة خدش الحياء العام سيطرت على تفكيري، فنحن رغم كل ما ندعيه من تحرّر وتحضّر وتفاعل مع العصر وانفتاح على العالم وعلى مكاسب الإنسانية فيه، لا نزال خاضعين لقوانين قروسطية يفترض أن الزمن عفّى عليها، ولا نزال نحاصر الإبداع، ونحارب الخيال، ونكفّر التفكير، ونزدري الفن، ونخاف من الجمال فنخفيه، ونخشى من عقبات ضحكة عميقة، ونحقّر من شأن الحب والغزل والجنس، فإذا وردت صورة فنية تتعلق بهذا الشأن، وجد صاحبها نفسه سواء كان شاعرا أو روائيا أو رساما أو مسرحيا وراء القضبان كما حدث مع أحمد ناجي الذي حكم عليه بالسجن لمدة عامين، بسبب فصل من روايته الجديدة “استخدام الحياة” نشرته صحيفة “أخبار الأدب” قبل عامين.

ويبدو أن ورقة من الجريدة وقعت في يد محام من محاميي الحسبة، فقرأ بعض الفقرات ورأى فيها خدشا للحياء العام الذي يمثله هو والكثير ممن يعتقدون أنفسهم أوصياء على المجتمع والذوق والأخلاق، واستنتج أن الكاتب يروي قصصا حقيقية عاشها ويجب أن يحاكم عليها، ثم كتب دعوى قضائية على ورقة عادية وأرسلها إلى النائب العام لتنطلق القضية التي جرّت مبدعا شابا إلى اسفلت السجن مع عتاة القتلة واللصوص وتجار المخدرات.

هذه القضية ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، وقبلها تم جرّ مئات المبدعين إلى المحاكم، وبعدها سيتكرر المشهد إن لم تحذف فصول القانون المقيدة للإبداع، وأعتقد أن الدستور المصري الجديد يحتاج إلى الإسراع في ترجمته إلى قوانين تقطع مع الحسبة ومع المحاسبات على الخيال أو الرؤية أو الموقف الفكري.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر