الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

منطق الرمان

الناظر إلى لوحات نبعة يحلو له أن يبصر 'ذاكرة البستان'، وهي ملتحفة بحمرة وردية أشبه بفاكهة الرمان.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/03، العدد: 10203، ص(16)]

“ذاكرة البستان هي الجذور التي صنعت المفاهيم والأشكال والرموز التي تراها اليوم في لوحاتي، فلو كان العمر شريط فيديو ورجعنا به إلى الوراء، ستكون فترة طفولتي هي من أجمل أيّام عمري، تلك الفترة قضّيتها في بستان جدتي في المزة، القرية المشكلة من بيوت طينية، وليس على ما تراه اليوم من إسمنت أكلها عن آخرها”، هذا ما قاله يوما الفنان التشكيلي السوري الكبير نذير نبعة الذي توفي منذ بضعة أيام عندما سُئل عن مصدر مفردات لوحاته الفنية الأكثر إلحاحا على الحضور في لوحته.

ولعل نبعة في كلامه هذا يشيّد أمام عيون المخيلة مشهدا طبيعيا عميقا يكتنز بأريج الأرض الربيعية ويتهادى إليه غمام شفاف ورديّ اللون، شبيه بالغمام الرقيق الذي يغلّف مجمل أعماله الفنية مهما اختلفت مواضيعها أو تباعدت الأزمنة التي أُنجزت فيها.

يحلو للناظر إلى لوحاته أن يبصر “ذاكرة البستان”، وهي مُلتحفة بحمرة وردية تُذكر كثيرا بتدرجات ألوان فاكهة الرمان وأزهاره وعطره الحاد الأخاذ. وقد أحب الفنان هذه الفاكهة القادمة من طفولته وبستانها المليء بها وبغيرها من الفاكهة والأزهار والورود الجورية والأعشاب العطرية، لذلك أكثر من استحضارها في فضاء لوحاته حيث تنتمي لونيا ودلاليا.

إن كان الرمان هو إحدى فواكه الجنّة، فهو كذلك في لوحة الفنان.. ولعل أجمل لوحاته هي تلك المزركشة تماما بغنى التفاصيل والتي تبدو فيها النسوة الدمشقيات بصحبة هذه الفاكهة المشحونة بالإشارات والرموز التي تتراوح معانيها ما بين الخصوبة والحيوية والوفرة والخلود والجمال.

كل ما على الناظر إلى لوحات نذير نبعة، وخاصة تلك التي تنتمي إلى مجموعة “الدمشقيات” التي اشتهر بها، هو التمعن في تلك الحمرة التي تكاد تغشى جميع آفاقها حتى تلك التي استخدم فيها الفنان اللون الأزرق والأخضر بشكل كبير، وحتى عندما يغيب الرمان “جسديا” عن لوحاته، تبقى صبغته وأثره في عامة اللوحات الناطقة بحميمية الشرق وبحيوية الأساطير التي حيكت خيوطها في حضارات بلاد ما بين النهرين.

لم يتوقف الفنان عن نسج حكاياته الدمشقية داخل أسوار الأبنية الطينية، لم يتوقف عن ذلك حتى في مرحلة التجريد التي وصل إليها في نهاية مطافه الفني، زركش أفاق لوحاته بالتمائم التي تشبه الحلي الفضية، وبالحلي الفضية التي تشبه المدن الشرقية وخاصة مدينته دمشق.

أدخل نذير نبعة إلى لوحاته “تقميشة” النسيج الدمشقي الغني بالخيوط الدقيقة والملونة ووضعها بمحاذاة الصناديق الخشبية الموشاة بالصدف النهري والبحري على السواء، غابت تارة معالم هذه الموجودات والأشياء في اختزالات كبرى وظهرت بوضوح في مواطن أخرى من لوحاته.

اليوم، أعماله الفنية، صارت تشبه أكثر سوريا المضرجة بدمائها والمتجمرة بأحلام وكوابيس أهلها الذين هاجروا قسرا، أو صمدوا في مدنها وقراها على السواء.

لوحاته الشهيرة باتت اليوم ناطقة أكثر من قبل بهذه الحمرة الوردية التي تذكر حينا بلون الورد الجوري، وأحيانا أخرى بماء الرمان البراق، فقط الضليع في شؤون الألوان وأطيافها يدرك تماما كيف يمكن لهذا اللون بشكل خاص أن يكون قاتما ومضيئا في الآن ذاته، إذا ما تجاورت أطيافه وتحددت معالمه بخطوط بنية أو برونزية اللون، كما في لوحات الفنان، كل ذلك حاضر في لوحة نذير نبعة التي تأخذ الناظر إليها إلى ما هو أبعد من المرئي، لذلك لا يملّ مشاهدها من النظر والتساؤل عن معانيها، خلافا للصور أو اللوحات التي يمكن تسميتها باللوحات التراثية/ السياحية.

كتب الكثير عن الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة بعيد وقبل رحيله خلال شهر فبراير الماضي، وسيكتب أيضا أكثر عن فنان، لوحته هي وطنه؛ لوحة تملك لسان حال أشجار الرمان المشرقية ومنطقها “غدا تتورد أزهاري وينعقد الياقوت في ثمراتي، غدا الحياة.. غدا القيامة”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

:: اختيارات المحرر