الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الراجمات الطائفية: وسائل إعلام في مهمة سياسية

  • انعكس المشهد السياسي العراقي المضطرب على خطاب وسائل الإعلام التي أصبحت مرآة للاتجاهات السياسية المتصارعة، خاصة تلك المملوكة لأحزاب سياسية متنفذة، أو تتبع أجندات دول خارجية، وتحولت إلى ساحات معارك طائفية ومحرضة على كل من يخالفها.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2016/03/03، العدد: 10203، ص(18)]

موائد الطائفية العامرة

اتسع خطاب الكراهية في الإعلام العراقي وتشعب وانتشر بشكل واسع، وأصبح أداة خطيرة للتحريض على الآخر، وبدا وكأنه هو المحرك السياسي للشارع العراقي من خلال تعميقه للصورة السلبية للعنف والتطرف والطائفية، وبدت الشخصية العراقية تتأثر سلبا بتكرار الصور ومشاهد العنف والقتل والتحريض الطائفي، وتنسحب على سلوكياته وتصرفاته اجتماعيا ونفسيا.

نشأ الإعلام العراقي من رحم نظام سياسي ديني فاسد وطائفي، وفي ظل دستور ملغوم يلغي المواطنة كصيغة وجود وتعايش، فانتشرت آفاق النزاع الطائفي والديني في معظم وسائل الإعلام العراقية بشكل غير مدروس.

وأصبحت الصحف ساحات لتبادل الاتهامات، من خلال نقل تصريحات شديدة اللهجة تحمل الكراهية والبغضاء، واستغلت جماعات متشددة وسائل الإعلام في نشر الأفكار المتطرفة والتكفيرية والطائفية، مثلما ساهمت الفضائيات في نقل مشاهد حية للقتل والذبح، كأنها شريكة في العملية تتسابق في عرض الصور والتصريحات وفي الكثير من الأحيان دون التأكد منها.

كما ساهمت وسائل الإعلام الدينية في تثوير الطائفية والتحريض على العنف من خلال برامجها وحواراتها، وقيامها بحملات إعلامية منظمة وممنهجة للتحريض الديني، خاصة أثناء الأزمات الطائفية والمعارك العسكرية، ساعدها في ذلك تمويل مالي كبير كي تعمل وفق منهج أو خط ديني محدد. نتيجة لهذا، ساهم الإعلام، ولا يزال في انعكاس النزاع الديني المذهبي (شيعي – سني) على العديد من المحطات التلفزيوينة وبرامجها الإخبارية والحوارية وتغطيتها للأحداث.

وانحازت محطات تلفزيوينة بشكل واضح وعلني في عمليات تأجيج النزاع الطائفي مما خلق توترا لدى العامة، من خلال السجال الديني الذي تتبناه بعض القنوات الفضائية الدينية والذي يركز على بعض الجوانب العقائدية والطقوسية والرمزية، ونقد العقائد الدينية المخالفة وتجريحها‏، بالإضافة إلى الكذب الصريح الذي لا يمكن إرجاعه فقط إلى ضعف المستوى المهني للكثير من العاملين في وسائل الإعلام، ولكنه اختلاق قصدي لأخبار لا أصل لها، لإثارة الناس ضد مجموعة معينة.
وسائل الإعلام استعارت مصطلحات التنظيمات الإرهابية وأصبحت جزءا من الحروب العقائدية والنفسية

واجتاحت وسائل الإعلام العراقية مؤخرا ظاهرة استضافة رجال الدين في البرامج الحوارية، وإثارتهم للموضوعات الطائفية، وزاد الأمر سوءا بعد أن منحتهم الفضائيات مساحة مجانية لتفسير الأمور على هواهم، حتى أولئك الذين مازالوا في بداية الطريق، ولا يمكن الاستناد إلى رأيهم في التحليل وإعطاء الأحكام في قضايا حديثة على الاجتهاد، ثم انفلت الخيط، وفسحت الفضائيات لهؤلاء فرصة بنشر الأفكار المتطرفة، وإلغاء الآخر، وإشعال فتنة طائفية كانت خامدة لقرون عديدة بين المذاهب.

ويبرز الأمر الأخطر وهو دفاع وسائل الإعلام عن أفكارها المذهبية، من خلال نقلها معارك الفضائيات العربية الدينية إلى الجمهور العراقي، حيث تحولت الفضائيات الدينية إلى ساحات حروب طاحنة بين الشيعة والسنة وبين الصوفية والسلفية.

وأصبحت حروب المصطلحات في وسائل الإعلام جزءا من الحروب العقائدية والنفسية بين المذاهب، وتم استعارة مصطلحات من التنظيمات الإرهابية أو الميليشيات الطائفية لتكون جزءا من العنف والتحريض الطائفي، حيث ظهرت العشرات من المصطلحات التي تكفر بالآخر أو تسيء إلى المذاهب، أو مصطلحات استخدمت تاريخيا لوصف جماعات اعتبرت خارج الدين، أبرزها “النواصب” و”الخوارج”. كما برزت مصطلحات “التكفيريين” و”الوهابيين” و”الرافضة” و”المجوس” و”الصفويين”، وكلها هدفها بناء استراتيجية طويلة الأجل لنزع الإنسانية عن الطرف المقابل، وإشعال فتيل الحروب الطائفية باستمرار.

وتتسابق وسائل الإعلام في نقل وتغطية الأخبار القريبة من تطلعات الأحزاب وأفكارها، في انتقائية متعمدة، مما يخلق حالة يأس عند الجمهور، أو تعصبا للأفكار، لينتهي أحيانا بالعنف خاصة عند الجمهور الذي يشعر بالتهميش والإقصاء السياسي والمادي والاجتماعي، بالإضافة إلى الانتقائية في اختيار المحاورين والمحللين ذوي الميول الطائفية الذين يساهمون في التحريض وإثارة العنف.

كما تم استثمار رجال السياسة لوسائل الإعلام في التعبير عن برامجهم السياسية، وأفكارهم المحرضة على العنف الطائفي. وحاولت هذه الوسائل كسب تأييدهم لمصالح مختلفة، وأصبحت ناطقا رسميا للطائفية السياسية. ولا تزال ماثلة مقولة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي “أبناء يزيد، وأبناء الحسين” في حروبه مع المدن الغربية وكيف نقلت بعض الفضائيات أقوال السياسيين في الاعتصامات التي تحرض على “الشيعة الصفويين”. وكلها ساهمت في تعميق الشد الطائفي وإثارة الأحقاد بين مكونات الشعب العراقي.

وكان من أكبر أخطاء الإعلام العراقي تركيزه على الحدث أكثر من التركيز على الظاهرة، فهو يعطي اهتماما لعمليات العنف بأنواعه أكثر من الاهتمام الذي يعطيه للعنف والإرهاب كظاهرة لها أسبابها وعواملها، مع هيمنة الطابع الإخباري على التغطية الإعلامية لعمليات العنف والإرهاب، وتقديم تغطية متعجلة وسريعة، وربما أحيانا سطحية، تهتم أساسا بتقديم جواب عن سؤال: ماذا حدث؟ حيث تغيب، في الغالب، التغطية الإعلامية ذات الطابع التفسيري والتحليلي، كما تغيب التغطية ذات الطابع الاستقصائي، الأمر الذي يؤدي إلى بقاء المعالجة الإعلامية على سطح الحدث والظاهرة.

وتتوارى في الغالب، معالجة جذور الظاهرة الإرهابية والطائفية وأسبابها العميقة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، وهذا ما يجعل الظاهرة تبدو وكأنها مجردة ومطلقة، وتقع خارج حدود الزمان والمكان والمجتمع، وهذا ما يضعف قدرة التغطية على الإقناع، لأنه يفقدها طابعها الملموس.

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر