الاربعاء 18 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10516

الاربعاء 18 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10516

عودة التمثال

اليوم يعود بورقيبة إلى الساحة مجددا، ربما لأنه كان صاحب فكر، فالفكر هو الذي ينتصر في الأخير.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/03/04، العدد: 10204، ص(24)]

بعد أيام سيعود تمثال بورقيبة إلى شارع بورقيبة بقلب العاصمة التونسية. الرئاسة تقول إن ذلك سيتم بمناسبة الذكرى الستين للاستقلال في العشرين من مارس الجاري، والبورقيبيون يرون في القرار إعادة اعتبار للزعيم التونسي الكبير الذي ناضل ضد الاستعمار حتى استقلت البلاد ثم بنى دولة الاستقلال وتبنى قيم الحداثة والمدنية وواجه المتشددين، وقال إن الفرق بينه وبينهم زمني بالأساس ويمتد على مدى 14 قرنا.

والتمثال العائد، يجسّد مشهدا يعود إلى الأول من يونيو 1955، عندما عاد بورقيبة من المنفى، وترجّل في ميناء حلق الوادي من الباخرة التي أقلته من فرنسا إلى تونس، ثم امتطى صهوة جواد عربي أصيل، ورفع يده اليمنى ليحيي مستقبليه في يوم تاريخي تم اعتماده طيلة 30 عاما كعيد وطني يحمل اسم عيد النصر، إلى أن ألغاه زين العابدين بن علي بعد وصوله إلى الحكم في العام 1987.

حاول بن علي أن يمسح من الذاكرة تاريخ بورقيبة الذي كان بدوره قد عمل منذ أن أطاح بالملك محمد الأمين باي في يوليو 1957 على مسح تاريخ الملوك الحسينيين رغم أنهم حكموا البلاد لمدة 250 عاما، ولكن بن علي لم ينجح في تغيير اسم الشارع الرئيس بالعاصمة واكتفى بإزالة التمثال ونقله إلى ضاحية حلق الوادي. وعندما بدأ الإسلاميون يضعون أيديهم على حكم البلاد، خرج منهم من يدعو إلى تغيير اسم شارع الحبيب بورقيبة إلى شارع الثورة في إشارة إلى ما حدث في الرابع عشر من يناير 2011.

اليوم، يجلس على كرسي الرئاسة في قصر قرطاج الباجي قائد السبسي الذي كان جده الأول مسؤولا على غليون الباي مع بداية انتشار التبغ في البلاد، وكان هو، أي الباجي، قريبا من بورقيبة، إذ عمل في عهده مديرا ووزيرا وسفيرا، وألّف عنه كتابا بعد وفاته، وعندما حاول الإخوان التغوّل في البلاد مدعومين بالمدد الخارجي، رشّح قائد السبسي نفسه خليفة لبورقيبة، ففاز بالرئاسة وفاز حزبه في تشريعيات 2014، وقال التونسيون آنذاك إن بورقيبة هو الذي انتصر وعاد من قبره ليتصدى لمحاولات تغيير وجه وصورة البلاد ونموذجها المجتمعي.

اليوم يلام قائد السبسي على تحالفه مع الإسلاميين، وعلى تنكره لوعوده، ولكنه يجد من يدعم خطوته لإعادة تمثال بورقيبة إلى قلب العاصمة، فالزعيم الراحل لا يزال أبا للتونسيين، رغم بحث البعض عن آباء آخرين، والتمثال سيحتل موقعه قريبا من وزارة الداخلية حيث لن يجد أعداؤه مجالا لتشويهه أو للإطاحة به من على صهوة جواده.

أطاح بورقيبة بالملك، وأطاح بن علي ببورقيبة، وأطاح آخرون مرئيون وغير مرئيين ببن علي، واليوم يعود بورقيبة إلى الساحة مجددا، ربما لأنه كان صاحب فكر، فالفكر هو الذي ينتصر في الأخير.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر