الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

ثقافة الحوار

ثقافة الحوار تتأسس بدورها على ثقافة السؤال وتؤسس كذلك لثقافة السؤال. والأسئلة اكتشاف، وهي أهـمّ إنجازات الحوار، وخاصة اكتشـاف السـؤال الخاطئ والجواب الخاطئ.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/03/08، العدد: 10208، ص(14)]

لم يُستنفد القول بعد في عالم العرب حول مشكلة الحوار، التي لم يجر تناولها في حقل ثقافة الحوار، لقد كتبنا سابقا عن فلسفة الحوار، وقمنا بفض ماهية الحوار، ولكن لا حوار دون انتصار ثقافة الحوار.

تشير كلمة ثقافة هنا إلى بنية ذهنية عقلية، وبالتالي السؤال المهم الذي نطرحه هنا؛ كيف يمكن أن نؤسس لبنية ذهنية عقلية للحوار؟ ذهنية تؤمن بفكرة الحوار، لأن الشروط المعاصرة هي سلبية اتجاه الحوار؟

ليس مصادفة أن أفلاطون وهو يعالج أعقد المشكلات الفلسفية قدم لنا الحواريات؛ مثل الجمهورية والسفسطائي والمأدبة وغيرها من الحوارات. والحوار عند أفلاطون ليس كيف يتحاور الناس فقط، بل كيف يصلون معا إلى المفهوم، يعني إلى الحقيقة، لأن الحقيقة خارج المفهوم غير موجودة، وبالتالي فالهدف من الحوار هو الوصول إلى مفاتيح المعرفة، دون ذلك يكون هناك استبداد، ولا تستقيم حركة الفكر مع الاستبداد.

ومن ثقافة الحوار يولد القبول بنسبية الحقيقة، التي لا تتناقض مع موضوعيتها، وليس من النسبية المطلقة، لأننا إذا انطلقنا من نسبية مطلقة تصبح كل الأحكام على مستوى واحد من الحقيقة، عندها لا يكون حوارا، والنسبية المطلقة تطيح بمعايير الحقيقة، وبالتالي كيف يمكن أن نؤسس ذهنية حوار انطلاقا من فكرة الوصول إلى الحقيقة، مع الاعتقاد بأن هناك أحكاما صائبة ومخطئة؟ فالنسبية لا تلغي صحة أحكام أو خطأ أحكام، وخاصة في الموقف الأخلاقي، لأن المواقف الأخلاقية ليست نسبية في المطلق، ولو كانت نسبية في المطلق لتساوت كل أنماط الأحكام.

والحق، إن الأيديولوجيا مفسدة للحوار ولانتصار ثقافة الحوار، ولا يستطيع أحد إلغاء الأيديولوجيا ما دامت هناك أحلام، ولكن متى تصبح الأيديولوجيا مفسدة للحوار؟ تصبح كذلك عندما تتحول الأيديولوجيا إلى اعتقاد ديني، ويصبح لدينا مرجع يمتلك الحقيقة المطلقة، نؤسس عليه وعينا للعالم، لذا فإن فكرة مرجع الحقيقة الأيديولوجي تفسد الحوار إفسادا كبيرا.

أما التضاد بين الأفكار فغالبا ما لا ينتج حوارات، لأن التضاد هو نفي الآخر، والآخر في ثقافة التضاد غير موجود، بل في ثقافة تقوم على التضاد لا تقوم فيها ثقافة الحوار، لأن أهم شرط من شروط الحوار هو الاعتراف بحق الآخر في المعتقد حتى ولو كان اعتقاده يقع على النقيض من اعتقادنا، إن فعل الأمـر في خطاب “كـن مثلي وإلا فأنـت عدوّي” فعل لا يصدر إلا عن ثقافة الإقصاء.

ثقافة الحوار في حال شيوعها وانتصارها تنتج ثقافة التجاوز المستمرّ للوعي المستقرّ، إن الحوار تجاوز للوعي وامتلاك العالم معرفيا، ولأن الحوار إنتاج للمفاهيم، كما قلنا، وهو صياغة كلمات دالة على ماهية الأشياء، فإن ثقافة الحوار تتأسس بدورها على ثقافة السؤال وتؤسس كذلك لثقافة السؤال. والأسئلة اكتشاف، وهي أهـمّ إنجازات الحوار، وخاصة اكتشـاف السـؤال الخاطئ والجواب الخاطئ.

ومن حق الإنسـان أن يخطئ والخطأ حق، اعتقادا مني أني أفكر بشكل صحيح، وكما قال أحد الفلاسفة “ليس العلم إلا تاريخا من الأخطاء” وعبر اكتشافنا للخطأ فإننا نجدد وعينا بالعالم، كيف نمتحن الوعـي والمعـرفة ونكتشـف أخطـاءنا؟ يكتشف كل هذا عبر الإقـرار بعـلاقة الممـارسة النظرية بالعمليـة ولهـذه المسـألة قـول آخر.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر