الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

زمن الخوف في تركيا

المفارقة في الحملة التركية ضد وسائل الإعلام المعارضة والخصوم السياسيين أن أردوغان وحزبه هما اللذان كانا في الماضي يطالبان بالديمقراطية والتعددية.. لكنهما اليوم من أبرز خصومها.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/03/09، العدد: 10209، ص(8)]

ما يحدث في تركيا ينبئ بأن البلاد التي حلمت طويلا بأن تحصل يوما على عضوية الاتحاد الأوروبي مرشحة اليوم لكي تعود إلى أدنى السلم في العالم الثالث؛ فحادث اقتحام مقر صحيفة “زمان”، المعارضة لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، وإرغامها على تغيير خطها التحريري بأن تصبح بوقا للسلطة، والإجهاز على الصحافة ووسائل الإعلام المعارضة أو المستقلة، التي لا تريح النظام، كلها مؤشرات تدل على أن رجب طيب أردوغان عازم على أن يكنس من طريقه كل ما يمكن أن تشتم منه رائحة المعارضة.

الملاحظ أن أردوغان هندس خطة محكمة منذ توليه الحكم قبل سنوات، أداته في ذلك حزبه واللوبي السياسي الموالي له. فقد صعد إلى السلطة على ظهر حركة الخدمة، التي يتزعمها فتح الله كولن، والناخبين الأتراك الذين تعبوا من عدم الاستقرار السياسي في البلاد وتحكم المؤسسة العسكرية. وبعد أن اشتد عوده وخبر دواليب السلطة شرع في التخلص من أولئك الذين دعموه في البداية، من خلال فتح جبهات معهم، خصوصا بعدما ظهرت بوادر الفساد السياسي والمالي داخل الحزب الحاكم. وعبر الأعوام الماضية وظف أوراقا عدة على الصعيد الإقليمي والإسلامي للمزايدة على خصومه في الداخل، وكان من تلك الأوراق الورقة الفلسطينية، ممثلة في حادث سفينة مرمرة، التي لا تزال ظلال الشكوك تحوم حول المسؤولية عنه.

وعندما اندلع الربيع العربي سعى حزب العدالة والتنمية إلى تسويق نفسه في الخارج كنموذج للديمقراطية على الطريقة الدينية، مستخدما يافطة الانتماء إلى التيار الإسلامي، حيث قام أردوغان بزيارة بعض البلدان العربية التي شهدت أحداث الربيع. ثم انتقل مع اندلاع الأزمة السورية خطوة أخرى، موظفا ورقتيْ الزعامة التركية على الصعيد الإقليمي والاستقرار الداخلي في مواجهة التحديات الإرهابية، الأمر الذي أطلق يده في محاربة معارضيه الأتراك من جانب، وخصومه السياسيين ممثلين في أنصار حركة الخدمة، من خلال ضرب بنياتها التحتية والإجهاز على وسائل الإعلام المحسوبة عليها.

ومع بداية أزمة المهاجرين واللاجئين، بعد تفاقم الوضع السوري، وجد حزب العدالة والتنمية في الخلاف الأوروبي – الأوروبي حول تلك الأزمة فرصة مناسبة للانقضاض على خصومه الرئيسيين، عارضا نوعا من المقايضة بينه وبين الاتحاد الأوروبي، أساسها سكوت هذا الأخير عن التجاوزات التي يقترفها الحزب الحاكم، مقابل الخدمات التركية في موضوع اللاجئين.

المفارقة المثيرة في الحملة التركية ضد وسائل الإعلام المعارضة والخصوم السياسيين أن أردوغان وحزبه هما اللذان كانا في الماضي يطالبان بالديمقراطية والتعددية، من أجل فتح طريق لهما نحو السلطة، لكنهما اليوم من أبرز خصومها. وفي الوقت الذي يطمح الحزب الحاكم إلى أن تصبح تركيا عضوا في الاتحاد الأوروبي، الذي تضرب مكوناته بجذورها في التقاليد الديمقراطية العريقة والثقافة الليبرالية، يضع حزب العدالة والتنمية هذه التقاليد الأوروبية في مرمى أهدافه، عبر محاولة إسكات الأصوات المعارضة ولعب دور الرجل الوحيد داخل الحزب الفريد.

الذين يعرفون أردوغان ومزاجه السياسي يقولون إن الرجل لا يهتم بالمستقبل بقدر اهتمامه بالماضي، إذ هو ينظر إلى صورته في “البورتريه” الشخصي لمصطفى كمال أتاتورك، باني الدولة التركية الحديثة، الذي توجد صورته في كل مكان داخل المؤسسات في البلاد ويطلق عليه لقب “أبو الأتراك”.

ولهذا فإن خصومته مع الإرث الكمالي ليست راجعة إلى قناعات سياسية، بقدر ما تعود إلى نزوع شخصي لتقليده بطريقة باهتة؛ فهو يريد أن يحقق أكبر معدل زمني في السلطة تتجاوز المدة التي قضاها أتاتورك في الحكم، فقد بقي هذا الأخير خمس عشرة سنة، من 1923 إلى 1938، بينما استمر أدوغان حتى اليوم ثلاث عشرة سنة منذ انتخابه رئيسا للوزراء عام 2003، وستستمر ولايته إلى عام 2019، بل هو يطمح إلى أن يبقى في السلطة إلى عام 2023، السنة التي ستكتمل فيها مئة سنة على ميلاد الدولة التركية الحديثة.

ولتحقيق هذه الأهداف يسعى أردوغان وحزبه إلى كنس المعارضة ونشر أجواء من الخوف على أكثر من صعيد لتبرير السياسة الاستبدادية الانفرادية، عبر خطوات محسوبة ينفذ فيها سياسات انتقامية، خصوصا إزاء الصحف ووسائل الإعلام التي أصبحت الخصم الرئيسي لأردوغان وجماعته. فصحيفة “زمان” واسعة الانتشار كانت توجد على قائمة الأهداف المرسومة منذ عامين، حين تفجّرت فضيحة الفساد المالي والاقتصادي داخل أروقة الحكومة على صفحاتها.

ومنذ عامين تقريبا تجري محاكمة صحافيين من صحيفة “جمهوريت”، التي نشرت عام 2014 تقريرا عن إمداد الحكومة التركية للجماعات المتطرفة في سوريا بالسلاح. وقد تقدم أردوغان بدعوى قضائية باسمه الشخصي ضد الجريدة والصحافيين الذين نشروا التقرير، وتم اعتقالهما لمتابعتهما رهن الحبس، لكن المحكمة الدستورية العليا قضت بالإفراج عنهما ومحاكمتهما في حالة سراح، وهو ما أهاج حزب العدالة والتنمية ضد هذه الأخيرة، التي لا تزال الصوت المستقل الوحيد في البلاد، بدعوى أن القضية سياسية لا قانونية.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر