السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

السبت 25 فبراير/شباط 2017، العدد: 10554

حناجر صغيرة تنتصر للحياة

'ذه فويس'.. هذا البرنامج المستورد من دول نالت استقرارها وإنسانية مواطنيها واسترخاء عالمها ورفاهية عالم طفولتها.. يأتي إلينا مفجـّرا طاقات أطفالنا الفينيقيين الخارجين للتوّ من رماد أيامهم.

العرب ريم قيس كبّة [نُشر في 2016/03/09، العدد: 10209، ص(21)]

على عتبة باب القلب يقفون.. يطرقون الباب بأجنحة ملائكة صغار وهم يتقافزون ويضحكون ويغنون بمرح.. فنفتح لهم أبواب قلوبنا ويدخلونها آمنين.. وهل ثمة ما يمنح حياتنا البهجة والعنفوان أبهى وأعمق من ابتسامات أطفال مبدعين؟.

هاهم يطلون من بين أيام كللتها الحروب وعرّشتْ فوق دقائقها الحرائق وقتال الطوائف والنشرات الكارثية.. ونحن نرزح تحت وطأة زمن أصبح فيه شعار القتل والموت يعلو فوق كل شعار.. فيستلب الراحة والأمن ويجعل الأرق والقلق صنوان فينا لا يكفـّان.. عالم عربي مستباح.. دكتاتوريات تسقط وإبادات جماعية تنهض من تحت الأرض مثل جراد يأكل الأخضر واليابس من حقولنا ويستبيح تاريخنا ومستقبلنا.. يختطف أحلامنا ويقطع رأس أمنياتنا باسم الجهاد.. من بين كل هذا السواد وعتمة القادم وضبابية الرعب من مستقبل ملتبس الرؤى.. يفتح أطفال صغار كوّة إبداع تمطرنا لبعض الوقت ببعض أمل خارج حدود الواقع.. ويمنحونا دقائق نتنفس فيها شيئا من عافية ومحبة وضحكات ودمعات ترطب ببراءتها شراسة عالم الكبار.. “أحلى صوت”.. أو “ذه فويس”.. هذا البرنامج المستورد من دول نالت استقرارها وإنسانية مواطنيها واسترخاء عالمها ورفاهية عالم طفولتها.. يأتي إلينا مفجـّرا طاقات أطفالنا الفينيقيين الخارجين للتوّ من رماد أيامهم التي لا يمكن أن يقال عنها أقل من إنها تسرق طفولتهم وبراءة أحلامهم..

أطفالنا العرب.. الذين فاجأونا جميعا بروعة إصرارهم على الحياة.. بحناجرهم التي صدحت بأحلى النغم وتجلت وهي تلج عالم الكبار من أرحب أبوابه وشبابيك فرحه المنعشة.. بثقة وبخفة روح وبأخلاق راقية تذكرنا بأخلاق الفرسان.. حتى صاروا مرة بعد اخرى يدهشون مدربيهم ويخرسون نجوما كبارا شربوا الخبرة وتمرسوا في التجربة والإبداع..

طفلة عراقية هجـّرها الإرهاب وقضّ مضجعها حتى نأت بها أسرتها بعيدا لتؤمن عيشا ولو مؤقتا على حافة وطن منهوب.. تعتلي المسرح لتبهرنا بحضورها وخفة ظلها وبصوتها الحنون الذي تمايلت لسماعه رؤوس الملايين طربا وسالت دموعهم حنينا وافتخارا وتعاطفا..

طفل سوري هربت به أسرته من مدينة احتلها تجار الموت وأمراء التطرف.. يطل علينا ليزرع ضحكته في قلوبنا ويغسل بنقاء حنجرته وسطوع إحساسه ذلك التلوث السمعي الذي غزا الأرض والفضائيات والمواقع الإلكترونية.. فيتفوق على مدربيه بتلقائيته.. ويلقم المتفرجين وردا وأملا بغد جميل..

أطفال من العراق وسوريا ولبنان ومصر والمغرب وسواهم من بلاد العرب.. يحرضوننا دون قصد أن نفتح قلوبنا ونشهر تفاؤلنا بما تملكه أوطاننا من ثروة بشرية.. ويستفزون بروعة أصواتهم وبإصرارهم كسلنا اليائس واستسلامنا لأقدارنا.. فنجد أنفسنا ونحن نعيد النظر في الأحداث إذ نقرأ رسالتهم إلينا وإلى العالم.. أطفال يختزلون بحناجرهم الصغيرة أحلاما كبيرة وانتصارا للحياة..

ها أنهم يديرون رؤوسنا لنرى وندرك ما أغفلناه وغضضنا عنه الانتباه وقد شغلتنا هموم الوطن.. مؤكدين لنا بحضورهم الإيجابيّ أن في الحياة ما هو أهم وأجدى من البكاء على الأطلال.. وأن المستقبل المضيء لن يعدو أن يتجاوز هذه القلوب الغضة الجديرة بالانتباه والعناية والاهتمام والثقة..

فإن فات ما فاتنا من أعمارنا فإن ما بين أضلاع أطفالنا وفي عقولهم ما يشي بتربة خصبة يمكننا أن نزرع فيها غرسا يغير خارطة الدمار ويرسم ببياضه دفقا من لون وعافية وموسيقى وسلام..

صباحكم طفولة تعدنا بغد أبهى..

ريم قيس كبّة

:: مقالات أخرى لـ ريم قيس كبّة

ريم قيس كبّة

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر