الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

طبقات المشعوذين

هناك خمسة مليارات دولار تصرف سنويا للمشعوذين في العالم العربي، ومقابلها عشرات المليارات من الدولارات تدفع لشعوذة من نوع آخر، وفي أشكال أخرى، ولكن كم من مشعوذ يتلقى اللعنات والاتهامات.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/03/09، العدد: 10209، ص(24)]

يصرف العرب خمسة مليارات دولار سنويا على الشعوذة بحسب دراسة أكاديمية نشرت العام الماضي، وهذا الرقم قد يبدو كبيرا، ولكنه ليس غريبا، وخاصّة إذا ربطناه بالطب الشعبي ووصفاته وإعلاناته، والسحر ومتطلباته وحاجياته، والتنجيم ومنشوراته وإكسسواراته، فنحن بذلك أمام عالم رحب، يتراوح بين الجن والغيب والمريخ وعطارد والبخور والأعشاب والربط والحلّ والإذاعة والتلفزيون والإنترنت والرياضة وتزويج العوانس وتيسير الأرزاق وتحصين الفنانين ودعم الساسة بالمشورات الفلكية والأعمال الروحانية، وغير ذلك مما لا يحصى ولا يٌعدّ.

قبل أيام، اتسعت دائرة الجدل في تونس حول مشعوذ يحظى بجمهور واسع من الحرفاء والمعجبين، وبثت مواقع التواصل الاجتماعي وقنوات التلفزيون مشاهد للرجل وهو يملأ فمه بالماء المغلي من أباريق يسحبها بخفة ورشاقة من فوق اللهب المستعر، ثم يرشّ بها مريديه، ويقول إنه يعالج الأمراض المستعصية بالماء الساخن، فيصدّقه الناس، ويتحدثون عنه بإعجاب وإطناب، ويقول بعضهم إنه عولج ببركات الرجل المبروك، وأنه شفي من مرضه، وأنه وجد لديه ما لم يجده لدى الأطباء الكبار في المشافي الحكومية والمصحات الخاصة.

الموضوع تم طرحه إعلاميا، فكان الطرح سطحيا وفيه الكثير من الابتذال، فكان فقط محاولة لشيطنة المشعوذ والحكم على المجتمع بالجهل والتخلّف.

فمن يتحدث عن سذاجة من اقتنعوا بأن المشعوذ يعالجهم بالماء الساخن، يمكنه أن يقارن المشهد بحالة من يقنعهم رجل دين متشدد بتفجير أنفسهم في قوات حكومية أو أمام المدارس أو في الأسواق المزدحمة مقابل أن تكون لهم الجنّة وحور العين، أو من تقنعهم وسائل إعلام متآمرة بأن يبثوا الفوضى من حولهم، فيكون على أياديهم خراب بلدانهم وإسقاط دولهم وتمزيق مجتمعاتهم.

في جميع الأحوال، هناك من يسعى إلى السيطرة على العقل، وعبر التاريخ كان عقل الإنسان حقل تجارب لمن يستطيع احتلاله بواسطة الوهم، والأوهام متعددة ومتنوعة وأخطرها ما يتحول في نظر أصحابه إلى حقيقة لا تقبل الشك أو النقد أو السؤال، ولأن العقل هو الزعيم والقائد الأعلى للجسد، فإن أوامره المملاة عليه أو الموحى بها إليه، تتحوّل إلى واقع مجسّد، وما يقتنع به العقل، يتحول، علميا، إلى حقيقة، ولكنها حقيقة فردية تنطلق من ماكينة العقل الباطن للفرد، فتكون النتيجة أحيانا إيجابية في حالة الخضوع لمشعوذ يخاطب أفرادا معدودين، وتكون كارثية في حالة الخضوع لداعية تكفيري أو إعلام تحريضي أوسياسي متهوّر أو محلّل منافق يستهدف شعوبا ومجتمعات.

هناك خمسة مليارات دولار تصرف سنويا للمشعوذين في العالم العربي، ومقابلها عشرات المليارات من الدولارات تدفع لشعوذة من نوع آخر، وفي أشكال أخرى، ولكن كم من مشعوذ يتلقى اللعنات والاتهامات، وكم من مشعوذ يدعو له القوم بالصحة والفوز والانتصارات؟

حتى المشعوذون طبقات.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر