الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

زبد البحر يُملح أصابع التشكيلي اللبناني عبدالقادري

  • الفن التشكيلي اللبناني، هو انعكاس للمستوى الفني والحضاري الذي وصل إليه الفنانون اللبنانيون، إذ يلحظ المتتبع الخلفية التي تحاكي الواقع المرير والمتأزم، والتي تعرض أمام المتلقي، في شكل لوحات من الذاكرة الفنية، حيث قدمت صالة “مارك هاشم” مؤخرا بالعاصمة اللبنانية بيروت معرضا للفنان التشكيلي اللبناني عبدالقادري تحت عنوان “يا بحر”، بعمقه الذي ابتلع العديد من القصص، والتي تخص المهاجرين الذين عبروا ولاقوا حتفهم بين أمواجه غير البريئة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/10، العدد: 10210، ص(16)]

حياة تتحول إلى موت

بيروت - أقامت مؤخرا صالة “مارك هاشم” البيروتية معرضا للفنان التشكيلي اللبناني عبدالقادري تحت عنوان “يا بحر”، لا يناجي فيه الفنان البحر كما يشير العنوان بقدر ما يغمز من قناعته بسوداوية ساخرة تمسّ سطحه المكدّر بأمواج غير بريئة، وكذلك عمقه الذي ابتلع الآلاف من القصص الشخصية التي تخص المهاجرين الذين عبروا ولاقوا حتفهم بين طيّاته دون أن يلمحوا أثرا للنوارس الشاحبة، والتي شهدت بمرارة تفكك أحلامهم بالنجاة منه، أي من البحر، وممّا أخذهم، أو رماهم إليه في البداية.

في الماضي غير البعيد، كان البحر أبيض مسالما لا تشوبه شائبة، وكان ناعسا غير واضح المعالم، وشاعريا يتحمل التأويل كما في لوحات رواد الفن التشكيلي الشرق أوسطي، ثم كان الملح البشريّ المتدفق إليه، مصعدا أمواجه ومحولا مساراتها فلا تنفك تتلاطم يمينا شمالا غير متأثرة باكتمال القمر ولا باتجاه الرياح، بل بما حمل من قوارب متهالكة على متنها شعب بأكمله.

ها هو البحر الأبيض المتوسط يظهر بوجهه المكتئب والحديث في صالة “مارك هاشم” على النحو الذي رسمه، ورسم ملامحه المأساوية التشكيلي عبد القادري.

اللوحة المرساة

أول ما يطالع زائر المعرض اللوحة الرئيسية، والمشغولة بقلم الفحم والألوان الزيتية، ربما هي اللوحة الأم التي ولدت منها باقي اللوحات المعروضة في الصالة، فهي لوحة تسرد تفاصيل المأساة من غرق وجراح، وشجاعة وخوض مياه مجهولة ويأس وترقّب وأمل، ولعل أبرع ما استخدمه الفنان في هذه اللوحة هو ما يمكن تسميته بتقنية الاختراق، حيث تتداخل المشاهد حينا بشكل عبثي فتتلاشى نهاياتها وموجبات تلاحمه.

مجموعة رسومات مؤثرة يغلب عليها، ضجيج خافت جدا، ربما هو صدى لأرواح ساكني اللوحات

وحينا آخر تتشابك التفاصيل حتى تثقل موازينها فتهوي في ما يشبه هوّة لا قرار لها، وقد كانت تودّ، أي التفاصيل، أن تصنع نجاتها ممّا آلت إليه عبر تشابكها العنيف على صفحة لوحته، خيبة إثر خيبة، حياة تتحول إلى موت؛ صراخ يتحوّل إلى صمت، كل هذا استطاع الفنان أن يعبر عنه من خلال أسلوبه ومهارته التقنية، وعبر حسن اختياره للمواد الفنية المختلفة لتناسب ما يريد التعبير عنه.

يلعب اللون الأسود الفحمي دورا مفصليا من ناحية، حيث يعقد ترابطا بين أجزاء من اللوحة ليقيم صلة بصرية ما بين أسباب ما يحدث في لجج البحر، والنتائج المترتبة عنها، ومن ناحية أخرى يصبح هذا الترابط هشا في مواطن أخرى من اللوحة ليفضح الرياء والكذب العالمي، وذلك عبر إغراق وتذويب لكلمات واعدة ومطمئنة خطّها الفنان باللون الأسود، كما لا يقوم الفنان بتغطية كاملة لقماش اللوحة الخام، مما يجعل منها أشبه بمخطوطة مشرقية تريد دائما أن تذكر الناظر إليها بأنها نص شيّدته يد بشرية وليست قطعة مقتطعة من العالم الظاهري.

تدور باقي أعمال الفنان التشكيلي اللبناني عبدالقادري في فلك اللوحة الرئيسية، التي تتصدر الصالة، بعد أن نجت من غمار الفجيعة وباتت لها حياة جديدة كرّسها الفنان لتؤدّي أدوارا محدّدة.

هناك اللوحات/ الشهود، تلك التي أطلق عليها الفنان اسم “قصائد غنائية للصمت”، وتظهر فيها بشكل غير واضح رؤوس بشرية هي لضحايا الهجرة القسرية، وقد اجتاحها لون أسود نتج عن فعل حريق، نقول رؤوسا بشرية ولا نقول وجوها تمثل أفرادا من مختلف الأعمار، لأن عبدالقادري، على ما يبدو، أراد أن يركز على صفة الترقيم البارد، والذي يتعاطى معه العديد من وسائل الإعلام حينما يتعلق الأمر بتعداد الضحايا المسلوبين من هوياتهم الشخصية وقصصهم، وملامحهم ولون عيونهم ونبرة صوتهم، وكل ما يجعل منهم مختلفين عن بعضهم بعضا، إنما اللوحات هي قصائد تسرد قصة شعب ولّى وجهه شطر البحر، لأن العدو من ورائه، بل في عقر داره.

صراخ يتحول إلى صمت، هذا ما عبر عنه عبدالقادري من خلال أسلوبه ومهارته التقنية، وحسن اختياره للمواد الفنية

صدى الأرواح

تأتي “غنائية القصيدة” التي يكتبها عبد القادري أبياتا متعددة على عـدد اللوحات، فهي من باب الاشمئزاز والسخريـة مـن الصمـت الدولي أمام ما يحدث من موت يومي اشتركت في صناعته، كل دولة بأسلوبها الخاص.

الأعمال الفنية مزدوجة الأبعاد، رسم فيها الفنان وجوه شخوصه الحالمة بالنجاة من الموت بتقنية “الفيتراي”، أي الرسم على الزجاج، ووضع خلفها صورا منفذة بتقنية الطباعة، تمثل بحرا هادئا يذكر بأجواء اللهو والصيد والعوم الآمن.

شاطئ له ملامح صيفية يمثل بشكل قاطع خلاصا من فظاعة الماضي الدامي وبداية لحياة جديدة، كما في الأقاصيص التي تُتلى على الأطفال قبيل النوم.

في المعرض أيضا لوحات خطّها الفنان بالحبر، ورماد السجائر وحروقها التي تركت أثرا واضحا، لا بل وشما بارزا وضئيلا على سطحها، خطّها بدقة وتقشّف على أوراق محارم بيضاء لتمثل وجوهـا بشرية ضائعة المعالم، إنهـا مجمـوعة رسومـات مـؤثـرة يغلـب عليها، خلافا لباقي اللوحات ضجيج خافت جدا، ربما هو صدى لأرواح ساكني اللوحات، وهي ترفرف على حواشي المأساة المستمرة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر