السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

دفاعا عن الفن الجميل

الناجي عبر الفن وعبر المخيلة الراصدة لأدنى تفصيل بوسعه أن يعيد تشييد عالم حقيقي في ذهـن المشاهـد المعاصر، عالم لا تهشّمـه أمـواج الشتات والهجرات القسـرية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/03/10، العدد: 10210، ص(16)]

هذا جزء من حديث جرى بيني وبين أحد الأصدقاء:

- هل شاهدت المعرض المُقام في صالة “آرت سبيس”؟

- لا لم أشاهده بعد، لماذا؟

ضحك، ثم أجابني:

- يجب أن تشاهدي كيف يمكن لفنان ساذج وغير معنيّ بمشاكل وطنه ومحيطه أن يرسم ويقدم لوحات خارج زمنه وبكل فخر.

أثار فضولي كلام هذا الصديق فتوجهت إلى الصالة الفنية التي اعتدت زيارتها دوريا، حيث عثرت على مجموعة من الأعمال التشكيلية للفنانتين اللبنانيتين فتاة بحمد ولمى رباح.

بغض النظر عن القيمة الفنية لهذه الأعمال رأيت ما لم أكن أتوقع رؤيته، إذ أعادتني اللوحات التشكيلية المعروضة إلى ما يمكن تسميته “بالزمن الجميل”، أي ذلك الزمن الذي سبق تصوير الحروب والنزاعات المسلحة في اللوحات.

تنقلت في أرجاء الصالة ودخلت شيئا فشيئا في أجواء اللوحات الملوّنة بالأكريليك وبالألوان الزيتية؛ مشاهد طبيعية، ودواخل منازل قروية وشرفات متداخلة مع الخضرة المحيطة، وأقداح من الشاي الدافئ ومقاعد مزركشة بحميمية ملحوظة.

لوحات مشغولة بخصوصية واضحة تباعد ما بين أسلوب كل من فتاة بحمد ولمى رباح، ولكنها لوحات تشترك في كونها تجسد ما غاب عن الساحة الفنية العربية بشكل عام واللبنانية بشكل خاص، وهو تصوير عوالم السلام والحياة الرغيدة ببساطتها وعبقريتها بعيدا عن اللغط السياسي وحرائق العالم المحيط.

المعرض الذي يضمّ أعمالهما الفنية يستحضر بشكل كليّ حلاوة الوجود وفردوسية الزمن المفقود، وهو معرض يعيدنـا إلى الجـدل الكلاسيكـي الـذي لـم يعـد متداولا في هذه الأيام عن الهدف من الفن.

بلور أفلاطون وغيره من فلاسفة الإغريق نظرية تقول إن هدف الفن هو أن يكون صورة عن العالم الواقعي، أي نسخة منه، وبقدر ما يكون نقله دقيقا لهذا العالم تكون قيمته أعلى وأثمن، غير أن أفلاطون ما لبث أن عبّر عن شكه في الفن، إذ وجد فيه إغواء ودعوة إلى الابتعاد عن العالم الواقعي لصالح الصورة/ النسخة.

من هذا المنظار يمكن القول إنه بالرغم من كون لوحات لمى رباح وفتاة بحمد مبتعدة تماما عن تصوير جانب من العالم الواقعي المتفجر والغارق في الدماء، فذلك ليس انعكاسا لتزوير الواقع، كما هو ليس نكرانا لما يحصل حاليا في العالم العربي ولكنه خلافا لذلك، هو إصرار مستميت على تصوير حضور هذا الحيز الناجي من الموت والدمار.

الناجي عبر الفن وعبر المخيلة الراصدة لأدنى تفصيل بوسعه أن يعيد تشييد عالم حقيقي في ذهـن المشاهـد المعاصر، عالم لا تهشّمـه أمـواج الشتات والهجرات القسـرية، ولا تخترق هدوءه إلاّ العصافير البرية.

إنه تظهير بطولي أو تعويم للزمن الجميل الكامن في عتمة الذاكرة، وهو يرسل بعضا من أشعته الرقيقة إلى سطح الوعي/ اللوحة، ليؤكد لنا أنه لا يزال على قيد الحياة، مترقبا الفرصة المناسبة للعودة الفعلية من جديد.

قد تكون تلك الأفكار مجرد أمنيات، ولكن هذا ما تقدمه هذه اللوحات، وهذا أيضا ما يمكن اعتباره وجها آخر من تورط الفن في قضاياه الآنية، وليس استخفافا أو هروبا منه، أليس الحلم أو التوق إلى “الحياة الطبيعية” هاجس كل إنسان عربيّ عاش ولو لفترة قصيرة في كنف خضرة برّاقة لا ألم مبرحا فيها؟

ليست أعمال الفنانة لمى رباح والفنانة فتاة بحمد أهم ما قدّمه الفن اللبناني، فالفنانتان في بداية مسيرتهما الفنية، وثمة أعمال فنية أخرى لافتة بشكل كبير نذكر منها الذي قدمه ولا يزال الفنان عيسى حلّوم والفنانة هدى بعلبكي، وهما فنانان ينتميان بامتياز إلى ما جرى على تسميته “بجيل الحرب”.

سهول عيسى حلوم المتموجة بعصف لونيّ، وأعماق لوحة هدى بعلبكي المكتنزة بشتى الألوان وحجج تحولاتها، هما أيضا صور طبق الأصـل عن العـالم الواقعي؛ أعمال تضبط إيقاع دورة الحياة لتتصدّى للموت.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر