السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

محللون وخبراء

الطريف أن هناك ممن يوصفون بالخبراء والمحللين، يعتمدون على معلومات فيسبوكية أو تويترية لا أساس لها، وأحيانا على ما يلتقطونه في المجالس والمقاهي.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/03/11، العدد: 10211، ص(24)]

الوجوه ذاتها تقفز من بلاتوه تلفزيوني إلى آخر، ومن أستوديو إذاعي إلى آخر، فنحن في حرب مع الإرهاب، وكلما جدّ حادث إرهابي، وسالت دماء ضحايا أبرياء، أو تمت الإطاحة بمخطط داعشي، ترى المحللين السياسيين والخبراء الأمنيين والاستراتيجيين وقد تصدروا المشهد ليدلوا بما يعلمون وما لا يعلمون، وليتحدثوا في ما يدركون وما لا يدركون، وليكرروا على المستمع والمشاهد في الداخل والخارج ذات الإسطوانة التي شرخت منذ أعوام خلت.

الطريف أن هناك ممن يوصفون بالخبراء والمحللين، يعتمدون على معلومات فيسبوكية أو تويترية لا أساس لها، وأحيانا على ما يلتقطونه في المجالس والمقاهي، وفي حالات يرددون ما سمعوه من زملاء لهم في منابر أخرى، أو ما اطلعوا عليه في بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، ثم يسعون إلى إقناع المتلقي بأن لهم معلومات خاصة جدا من مصادرهم الأمنية والمخابراتية الخاصة جدا، أو من مؤسسات دولية لهم علاقة بها، أو من حتى الكونغرس أو البنتاغون أو وزارة الخارجية الأميركية أو من مقر الناتو، إذا لزم الأمر.

وشغلانة المحلل السياسي أو الخبير الأمني والاستراتيجي تحولت إلى مصدر رزق محترم، فالفضائيات تدفع عن المداخلة الواحدة عن بعد ما بين 100 و200 دولار، ويصل ما تدفعه عن الحوار داخل الأستوديو حتى الـ500 دولار أحيانا، وقد يدعى المحلل أو الخبير إلى إحدى العواصم ليحلل ويشرح وينظّر بما تحدده له القناة من أهداف وغايات تصب في مصلحة من يموّلها، وذلك وفق عقد يصل إلى الآلاف من الدولارات.

ثم هناك مراكز دراسات وأبحاث كثيرا ما تعقد ندوات ومؤتمرات أغلبها في إطار عملها الروتيني، وهي تحتاج حتما إلى هؤلاء المحللين والخبراء، وخاصة ممن يوصفون هذه الأيام بالتخصص في الجماعات الدينية والمنظمات الإرهابية، بعد أن تقتنص هوياتهم من شاشات التلفزيون.

يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: لمن يحلّل المحلّل؟ ولمن يقدّم الخبير نتائج خبرته؟

بحسب ما نراه في أغلب دولنا العربية من أوضاع دراماتيكية، يبدو أن كل ما نستمع إليه من تحليلات وقراءات لا تغني ولا تسمن من جوع، ولو كانت تنفع لنفعت سابقا، وأنقذتنا من الطوفان قبل فيضانه، ومن الكوارث قبل حصولها، ومن الخراب قبل حلوله.

سيقول البعض إن هناك محللين رياضيين، ومحللين فنيين، ومحللين اقتصاديين، كما أن هناك محللين سياسيين وأمنيين واستراتيجيين، وأعرف أن هؤلاء جميعا من نتاج طفرة الإعلام الفضائي وخاصة في مجال التلفزيون، غير أن المحلل الرياضي والفني مثلا يظهر في لحظات الانبساط والاسترخاء، أما المحلل السياسي والاستراتيجي والأمني عادة ما يسيطر على المشهد عند حلول الكوارث والمصائب، وبات حضوره مقترنا بالكوارث والمآسي.

ولذلك، وكلما جدت مصيبة، نرى ذات الوجوه تقفز من بلاتوه تلفزيوني إلى آخر، ومن أستوديو إذاعي إلى آخر، ولسان حالها يقول “جزى الله الشدائد كل خير” دون الوقوف عند عجز البيت لأنه قد يتجه بالمعنى إلى خلافه.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

الحبيب الأسود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر