السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

لماذا نكتب

رغم قتامة المشهد ثمة حافز كبير يدفع إلى الكتابة، إذ لا بد من وجود الصوت الآخر الذي يعلو في مواجهة هذا الواقع، مدافعا عن الأمل في قيامة جديدة للحياة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/03/15، العدد: 10215، ص(15)]

السؤال الذي بات يؤرق الكاتب قبل الكتابة وبعدها هو لماذا نكتب، في وقت ندرك فيه أن صانع القرار في العالم العربي لا يعنيه ما نكتبه، عن أحوال الثقافة العربية المتردية، بل هي لا تعنيه أكثر من كونها وسيلة لتجميل صورة نظامه، ولذلك عمد إلى إفراغها من أي مضمون حقيقي، سواء من خلال وزارات الثقافة، أو عبر اتحادات كتابه المزعومة.

رغم هذا الشعور بالإحباط يحاول الكاتب دائما أن يتغلب على يأسه، لأنه لا حياة مع اليأس، ولهذا على الكتابة أن تواجه قدرها، وألا تتوقف عن تعرية ظواهر الخلل والفساد الثقافي، وقبل هذا وبعده لا بد من تعرية الكتاب والمثقفين الذين يعملون كأدوات لتكريس هذا الواقع أو الدفاع عنه، خاصة مع استشراء واقع ثقافة النقل والغيبيات والتطرف، بالتوازي مع ثقافة الاستهلاك المتنامية في مجتمعاتنا.

أمام هذا الواقع المركب تظل حيرة الكاتب قائمة، خاصة مع استفحال نفس الظواهر التي كنا نأمل منذ سنوات طويلة، أن تختفي أو تتقلص كحد أدنى. إن غياب أفق الحرية وخضوع الثقافة لهيمنة المؤسسة الرسمية عليها وسلطة المال، هما من أسباب تكريس هذا الواقع، الذي أصبح القائمون عليه يتفنون في إيجاد الوسائل، التي تذهب بالثقافة بعيدا عن وظيفتها الحقيقية، وذلك من خلال ظاهرة الجوائز الأدبية، التي جعلت الكاتب والشاعر العربي يخوض معركة الشهرة والمصالح المادية المجزية، على حساب الدور التنويري المفترض، والدفاع عن ثقافة الحرية والتجديد.

خطورة هذه الظاهرة أنها أنتجت طبقة من الكتاب والشعراء العرب تنتقل من جائزة إلى أخرى، ومن مؤسسة ثقافية تتبع هذه الجهة إلى مؤسسة أخرى، على الرغم مما يحكم علاقات هذه المؤسسات من تباين واختلاف. إن قدرة هؤلاء على جمع المتناقضات نابعة من كونهم بلا موقف، يمكن أن يستفز هذه الجهة أو تلك، حتى عندما يكتبون عن قضايا العرب تجدهم يذهبون للكتابة عن القضايا التي لا تغضب أحدا.

كثيرون منهم لم يكتبوا كلمة واحدة عما يحدث في الواقع العربي من انتفاضات تجري عمليات إبادة لجماهيرها، أو سرقة ثوراتها، فهل كل هذه الجرائم التي ترتكب بحقها والدم الذي يسيل لا يحرك فيهم شيئا، ولو من قبيل رفع العتب. إذا ما معنى الكتابة مع استشراء هذه الظواهر والحالات، التي يوظفها صانع القرار لتلميع صورته ثقافيا والتحكم بواقع الثقافة ودورها في المجتمع؟

رغم قتامة المشهد ثمة حافز كبير يدفع إلى الكتابة، إذ لا بد من وجود الصوت الآخر الذي يعلو في مواجهة هذا الواقع، مدافعا عن الأمل في قيامة جديدة للحياة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر